أستاذة علوم سياسية لـ نيوز رووم: سد تنزانيا يرد عمليا على مزاعم عرقلة مصر للتنمية في إفريقيا
قالت الدكتورة نيفين وهدان، أستاذة العلوم السياسية، إن الحديث عن وقوف مصر ضد التنمية في إفريقيا يحتاج إلى قراءة موضوعية تفرق بين رفض التنمية وبين تمسك الدول بحقوقها ومصالحها المائية وفقا لقواعد القانون الدولي.
وأوضحت الدكتورة نيفين وهدان أن مصر لا تعارض حق الدول الإفريقية في التنمية أو إقامة مشروعات الطاقة والبنية التحتية، بل تنظر إلى التنمية الإفريقية باعتبارها ركيزة أساسية لاستقرار القارة ومستقبل شعوبها.
وأشارت إلى أن مشروع سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية في تنزانيا يقدم نموذجا عمليا على ذلك، باعتباره أحد المشروعات الكبرى للطاقة الكهرومائية في تنزانيا، والذي شاركت في تنفيذه شركات وخبرات مصرية، بما يعكس قدرة الكوادر والشركات المصرية على الإسهام في مشروعات استراتيجية داخل القارة.
وأضافت أن المشاركة المصرية في المشروع تؤكد أن العلاقات المصرية الإفريقية لا تقتصر على الخطاب السياسي، وإنما تتحول إلى شراكة تنموية حقيقية تترجم إلى مشروعات وخبرات وقدرات على أرض الواقع.

وأكدت أستاذة العلوم السياسية أن المشاركة المصرية في مشروع جوليوس نيريري تحمل دلالة سياسية تتجاوز الجانب الاقتصادي، موضحة أن القاهرة لا تتعامل مع التنمية الإفريقية بمنطق الوصاية أو المنع، وإنما بمنطق الشراكة وتبادل الخبرات وبناء القدرات وتحقيق المصالح المشتركة.
وقالت إن الدولة التي تسهم في تنفيذ مشروع للطاقة داخل دولة إفريقية لا يمكن اختزال سياستها تجاه القارة في كونها سياسة رفض للتنمية، مشيرة إلى أن التوجه المصري خلال السنوات الأخيرة يعكس اهتماما متزايدا بتعزيز الحضور في إفريقيا وإعادة البعد الإفريقي إلى مقدمة أولويات السياسة الخارجية المصرية.
وأوضحت وهدان أن إفريقيا بالنسبة إلى مصر ليست مجرد امتداد جغرافي، وإنما تمثل عمقا استراتيجيا وسياسيا واقتصاديا وأمنيا، مؤكدة أن العلاقات المصرية الإفريقية تمتد تاريخيا إلى عقود طويلة.
ولفتت إلى أن مصر كانت من الدول المؤسسة لمنظمة الوحدة الإفريقية عام 1963، وأسهمت في دعم حركات التحرر الوطني وقضايا الاستقلال، ومع تأسيس الاتحاد الإفريقي عام 2002 واصلت القاهرة دعم العمل الإفريقي المشترك، وتولت رئاسة الاتحاد الإفريقي عام 2019، مع التركيز على ملفات السلم والأمن والتنمية والتكامل الاقتصادي.
وأضافت أن هناك تطورا مهما في طبيعة التحرك المصري تجاه القارة، يتمثل في الانتقال من دبلوماسية المواقف إلى دبلوماسية المشروعات، موضحة أن المشروعات المشتركة تعد أكثر قدرة على بناء الثقة وخلق مصالح متبادلة ومستدامة بين الدول.
وأكدت أن إسهام الخبرات المصرية في تنفيذ مشروعات استراتيجية داخل الدول الإفريقية يحمل رسالة واضحة مفادها أن مصر تريد لإفريقيا أن تتقدم، وأن تمتلك مصادر الطاقة والبنية الأساسية اللازمة لتحقيق التنمية، مع احترام مصالح جميع الدول.
حقوق مصر المائية
وفيما يتعلق بقضية مياه النيل، شددت وهدان على ضرورة قراءة الموقف المصري بصورة دقيقة بعيدا عن التبسيط، موضحة أن مصر لا تعارض حق أي دولة في التنمية أو استغلال مواردها الطبيعية، وإنما تتمسك بأن تنفذ المشروعات المائية ذات الآثار العابرة للحدود في إطار قواعد القانون الدولي، وبما يراعي حقوق الدول الأخرى ومبدأ عدم التسبب في ضرر ذي شأن، إلى جانب الاستخدام المنصف والمعقول للمجاري المائية الدولية.
وقالت إن الفارق الأساسي يكمن بين رفض التنمية ورفض الإضرار بالآخرين، موضحة أن مطالبة مصر بالحفاظ على حقوقها ومصالحها المائية لا تعني معارضة التنمية في دول حوض النيل، وإنما تعكس رغبة في إدارة الموارد المشتركة بصورة تحقق التوازن بين حق التنمية وحقوق الدول المتشاطئة.
وأشارت إلى أن المعادلة المصرية في إفريقيا يمكن اختصارها في ثلاثة مبادئ رئيسية، هي التنمية للجميع، والمصلحة المشتركة، وعدم الإضرار بالآخرين.
وأكدت وهدان أن أفضل رد على الاتهامات الموجهة إلى مصر بأنها تقف ضد التنمية الإفريقية يتمثل في الواقع والممارسة العملية، موضحة أن مصر تشارك بخبراتها وشركاتها الوطنية وكوادرها في تنفيذ مشروعات استراتيجية للطاقة والبنية التحتية داخل إفريقيا، وهو ما لا يتفق مع اختزال سياستها في الرفض أو التعطيل.
وأضافت أن النموذج المصري يقوم على تحويل الشراكة السياسية إلى شراكة اقتصادية وتنموية، وتحويل الخبرة المصرية إلى أداة للتعاون، وجعل المشروعات المشتركة وسيلة لبناء الثقة بين الدول والشعوب.
وأوضحت أن مشروع جوليوس نيريري يمثل نموذجا دالا على إمكانية الجمع بين التعاون التنموي واحترام المصالح الوطنية، مؤكدة أن مصر تستطيع أن تكون شريكا في بناء مشروعات التنمية داخل إفريقيا، وفي الوقت نفسه تتمسك بحقوقها المشروعة عندما يتعلق الأمر بالموارد المائية العابرة للحدود.
وتابعت الدكتورة نيفين وهدان أن هذا الأمر لا يمثل مفارقة، وإنما يعكس جوهر مفهوم التنمية المستدامة والتعاون الإقليمي المسؤول، القائم على تقدم الدول وتوسع مشروعاتها التنموية دون أن تتحول التنمية في دولة إلى مصدر لضرر غير مقبول في دولة أخرى.
وأكدت أن مصر ليست ضد التنمية الإفريقية، بل تسعى إلى أن تكون شريكا في صناعتها، وفي الوقت نفسه تحرص على حقوقها ومصالحها المشروعة، مشيرة إلى أن التنمية لا ينبغي أن تكون سببا للصراع، كما أن حماية الحقوق لا ينبغي أن تكون عائقا أمام التنمية، وإنما التحدي الحقيقي يتمثل في بناء معادلة تحقق الأمرين معا.



