عاجل

ليس كل ما يلمع ذهبًا، وليس كل ما يُستخرج من جيب صاحبه يُقاس بقيمته المالية، هناك أشياء أخرى تحتفظ بقيمتها لأنها تحمل معنى، وتمنح صاحبها شيئًا لا يُشترى بالمال؛ وكارنيه«نقابة الصحفيين» واحدٌ من هذه الأشياء.

أعادت أزمة تقدم الإعلامي الكبير شريف عامر بأوراقه للقيد بجداول نقابة الصحفيين هذه الحقيقة التي كدنا ننساها، فبعيدًا عن الجدل القانوني والمهني حول مدى استحقاقية شريف عامر للقيد، وبعيدًا عن القرار الذي ستنتهي إليه لجنة القيد بالنقابة وما سيقره بعدها مجلس النقابة، هناك سؤالٌ آخر أكثر أهمية: لماذا يريد شريف عامر كارنيه نقابة الصحفيين أصلًا؟

واحدٌ من أشهر الإعلاميين في العالم العربي، وله حضور جماهيري واسع، والمبلغ الذي يحصل عليه عضو النقابة في صورة بدل التدريب والتكنولوجيا في حالة شريف عامر ليس تفسيرًا مقنعًا لهذا الحلم.
في القصة معنى أجمل من ذلك كله، فربما يكون ثمة شيء من حنين شريف عامر إلى إرث الأب، إلى اسم الأستاذ منير عامر، الصحفي الكبير الذي صار اسمه نفسه حاضرًا اليوم في النقابة من خلال «جائزة منير عامر لشباب الصحفيين» في صحافة البروفايل، وهي الجائزة التي سلمت بالفعل ضمن جوائز الصحافة المصرية.
وربما يرى شريف عامر، في الكارنيه اختصارًا لعلاقة أعمق بمهنة بدأ صلتَه بها منذ سنوات طويلة، ويتعامل مع العضوية باعتبارها انتماءً طال تأخره، لا باعتبارها منفعة مستحدثة.
وبغض النظر عن كل الأسباب التي صحت داخل الرجل الآن، والتي دفعته بعد كل هذه السنوات إلى طرق باب النقابة وخوض معركة يعرف تبعاتها مسبقًا، فأنا على الأقل، لا أستطيع أن أتصور أن البدل هو الهدف.
فالبدل الذي لم يبلغ خمسة آلاف جنيه قد لا يتجاوز "مصروف" أحد أبنائه في يوم أو أسبوع بحد أقصى، وهنا لب الحكاية، فـ«البدل» الذي صار في نظر كثيرين منّا الهدف من النقابة، قد يكون في نظر آخرين أقل ما في النقابة قيمة.
بدل التدريب والتكنولوجيا في الأصل لم يُخلق كي يكون راتبا إضافيًا للصحفي، وإنما ليعينه على تطوير أدواته، ومواكبة التكنولوجيا، والتدرب على مستجدات المهنة، لكن الضغوط الاقتصادية التي عاشها الصحفيون خلال السنوات الأخيرة جعلت البدل شيئًا آخر تمامًا، فتحول بحكم الضرورة من مساعدة على تطوير المهنة إلى أحد أعمدة المعيشة، تعتمد عليه أسر، وتُسد به التزامات، ويُستكمل به راتب لا يكفي، وهذا مفهوم، ولا يملك أحد أن يلوم صحفيًا شابًا يرى في البدل سندًا ضروريًا لحياته.
لكن المشكلة تبدأ حين نختزل النقابة كلها في هذا الرقم.
القصة تقول لنا إن هناك شيئًا في الكارنيه أكبر من الجنيه، شريف عامر لا يبدو محتاجًا إلى البدل، ولا أظنه يبحث عن النقابة لحماية ثروة ومصالح شخصية، وقطعاً لا يحتاج إلى كارنيه يخرجه من جيبه في كمين ليؤكد لأحد أنه «صحفي»، ومع ذلك كله يريد هذا الكارنيه.
هذا وحده دليل كاف على أن للعضوية قيمة تتجاوز المادة، وهذا ليس دفاعًا عن شريف عامر، ولا طرحاً لأحقيته بالعضوية، هذا شأن تفصل فيه قواعد النقابة ولوائحها، لا شهرة الرجل ولا محبة الناس، لكنني أقول إن قيمة الحكاية تكمن في أنها كشفت لنا بصورة ربما لم ننتبه إليها من قبل، أن هناك من يمكن أن يسعى إلى كارنيه النقابة دون أن تكون وراءه حاجة إلى بدل أو مصلحة مباشرة أو حماية لمكسب شخصي.
وهذه ليست حالة شريف عامر وحده، أعرف مقاولًا كبيرًا فتح الله عليه في المال، ويمتلك من العقارات ما يجعله قادرًا على أن يعيش مرتاحًا دون أن يعرف معنى لانتظار المرتب آخر الشهر، الرجل يمتلك نصف عمارات وسط البلد تقريبًا، ويؤجر شققها صيفًا وشتاءً لا بالغرفة بل بالسرير للطلبة والمغتربين، ثم يقتطع من يومه وماله ووقت أولاده، بحثًا عن طريق إلى العمل الصحفي، رغم محدودية موهبته وملله من تحصيل العلم والثقافة حتى ولو القليل منها، ومع ذلك يحلم ليلا ونهارًا بالكارنيه.
وأعرف رجلًا اسمه كالطبل في عالم التصدير والاستيراد وجاب العالم شمالا وجنوباً، ولا يحتاج في أي مجتمع إلى تعريف نفسه فهيئته وحدها بطاقة تعريف، لكنه يلف على المواقع ومسؤوليها والصحف ورؤساء تحريرها، ويقيم شبكة ممتدة في هذا الوسط، أملاً في أن يجد طريقًا إلى العضوية، وهو لا يحتاج منها إلا الكارنيه.
وأعرف صحفيين ملؤوا بطونهم ونفخوا جيوبهم مستغلين شغف كثر أمثال هؤلاء، وباعوا لهم الوهم، الذي تبخر على عتبات لجنة القيد وأزمات تكويد جرائد بير السلم بالنقابة. 
وهنا يصبح السؤال: ماذا يحمل هذا الكارنيه في داخله حتى يطارده كل هؤلاء وهم أكثر منّا مالاً وأقوى نفوذًا؟

كارنيه نقابة الصحفيين ليس مجرد قطعة بلاستيكية تحمل صورة صاحبها واسمه، هو في جوهره، شهادة انتماء إلى واحدة من أعرق المهن التي عرفتها البشرية، وإلى جماعة مهنية دفعت أجيال منها ثمنًا باهظًا كي تحافظ على استقلالها وكرامتها ودورها الوطني.

ولا يمكن أن يستنكر أحد - كان من كان - غضبة أعضاء الجمعية العمومية وغيرتهم على عضوية نقابتهم، فماذا تنتظر من صحفي أمضى سنوات وسنوات جريًا وراء الشروط واللجان والأوراق والتدريبات والاختبارات والأرشيف، ثم يرى اسمًا لامعًا يظهر فجأة أمامه في مشهد قد يبدو له، وكأنه اختصار للطريق الطويل الذي قطعه.
وماذا تنتظر من شباب أمضوا فوق الـ 10 سنوات يطاردون هذا الحلم وأسماؤهم تملأ كشوف التأجيل الصادرة من لجنة القيد.

وهنا يجب أن نفرق بين أمرين، مراقبة شروط القيد حق أصيل لكل من هو عضو بالجمعية العمومية أو باحث عن مكان له بداخلها، ولكنه ليس مسوغًا لمحاكمة مجرد تقديم الأوراق وقبولها شكلًا وكأنه قرار نهائي بالعضوية.
وهذا ما أوضحه نقيب الصحفيين الأستاذ خالد البلشي، حين أصدر بيانًا، قال فيه إن استلام الأوراق ليس قبولًا في النقابة، بل مرحلة إدارية أولى تسبق خطوات كثيرة، لا داعي لسردها، ولكن ملخص بيان النقيب أن النقابة ليس بيدها سوى الالتزام بالإجراءات، وكأنه يريد أن يرمي بالكرة في ملعب جريدة الشروق، إن صح أنها منحت الأستاذ شريف عامر مسوغات التقدم بأوراقه من جهتها للنقابة.

يمكن أن نختلف بشدة حول استحقاق شريف عامر للعضوية،لأسباب تتعلق بالعمر، والممارسة الفعلية للمهنة وفترة انقطاعه عنها، وماهية الأرشيف الواضح من تصريحات الأستاذ شريف نفسه أنه مجموعة من مقالات الرأي فقط، لكن لا ينبغي أن يتحول مجرد تقديم الأوراق إلى معركة أخلاقية ضد الرجل، ولا أن تتحول الواقعة إلى ذريعة لتصفية حسابات من قبل البعض مع النقابة ومجلسها الحالي. 
الدرس الذي أخرج به أنا من القصة كلها، لا يتعلق في الحقيقة بشريف عامر، بل يتعلق بنا نحن.
علينا أن نفخر بهذه المهنة أكثر، علينا أن نعيد اكتشاف قيمة أن نقول عن أنفسنا إننا صحفيون، وأن نرى في نقابتنا أكثر من نافذة للحصول على بدل، وأكثر من خدمة علاجية، وأكثر من خصم في نادٍ أو رحلة، كل هذه حقوق ومزايا مهمة، ولا يجوز التقليل منها، لكن النقابة أكبر من ذلك، والكارنيه أكبر من ذلك.
أفضل نتيجة لهذه الضجة أن يتوقف الصحفي، ولو للحظة، أمام الكارنيه الذي يسكن محفظته، وينظر إليه باعتباره شيئًا يستحق الفخر، لا شيئًا اعتدنا عليه حتى فقد بريقه، فربما نحن الذين نملك الكارنيه منذ سنوات نسينا قيمته، بينما هناك من يملكون من المال والشهرة والنفوذ ما يجعلهم غير محتاجين إلى أي شيء فيه تقريبًا، ومع ذلك لا يزالون يحلمون به.
علينا أن نتمسك بتلابيب مهنتنا، وأن نحترم تاريخها، وأن نطور أنفسنا، وألا نختزل كل هذا الإرث في بدلٍ مالي.
والأهم فعلًا..خلّونا ما نتكلمش عن البدل كتير.. واضح جدًا إنه مطمع الناس فينا! 

تم نسخ الرابط