ليس كل ما غرق في البحر قد غاب عن التاريخ. ففي أعماق المتوسط، لا تزال آثار مدن وسفن وموانئ وحضارات تحمل جانبًا من ذاكرة الإنسان، تنتظر من يكتشفها ويحميها ويعيد تقديمها للأجيال.
ومن هذه الفكرة تحديدًا اكتسبت احتفالية مكتبة الإسكندرية بإطلاق «اليوم العالمي الأول للتراث الثقافي المغمور بالمياه» أهميتها؛ فالمناسبة لا تحتفي فقط بآثار استقرت تحت الأمواج، وإنما تفتح الباب أمام رؤية جديدة للبحر باعتباره مستودعًا للذاكرة الإنسانية، ومجالًا للبحث العلمي والتعليم والسياحة والتعاون الدولي.
وفي افتتاح الاحتفالية، وضع الدكتور أحمد زايد، مدير مكتبة الإسكندرية، الحدث في سياقه الطبيعي، بالإشارة إلى العلاقة التاريخية العميقة بين الإسكندرية والبحر، الذي كان عبر تاريخ المدينة فضاءً للحركة والتواصل والتبادل الحضاري، وأصبح اليوم أيضًا حاملاً لجزء من ذاكرتها الأثرية.
ولعل خصوصية اللحظة أن مصر لا تحتفي بيوم عالمي أنشأته مؤسسة دولية من الخارج، وإنما بمبادرة بدأت من داخل مؤسساتها العلمية، ثم خرجت من الإطار الأكاديمي المصري إلى المجال الدولي حتى اعتمدتها منظمة اليونسكو.
واحتضن مركز المؤتمرات بمكتبة الإسكندرية الاحتفالية التي نظمت بالتعاون بين مركز دراسات الإسكندرية وحضارة البحر المتوسط بالمكتبة، ومركز الآثار البحرية بجامعة الإسكندرية، واللجنة الوطنية المصرية للتربية والعلوم والثقافة، بحضور ممثلين عن اليونسكو وسفراء وقناصل دول حوض البحر المتوسط، وقيادات جامعية وأكاديمية، وباحثين ومتخصصين في الآثار البحرية من دول مختلفة.
حين تتحول الفكرة الأكاديمية إلى مناسبة عالمية
بدأت الحكاية من مقترح علمي لمركز الآثار البحرية بجامعة الإسكندرية، ثم حصلت المبادرة على دعم من وزارة الخارجية واللجنة الوطنية المصرية لليونسكو ووزارة التعليم العالي، قبل أن تصل إلى الجمعية العامة لليونسكو في دورتها الثالثة والأربعين، التي اعتمدت 21 أغسطس يومًا عالميًا سنويًا للتراث الثقافي المغمور بالمياه.
ويرتبط اختيار هذا اليوم أيضًا بذكرى انطلاق أول بعثة أثرية دولية مشتركة تحت مظلة اليونسكو عام 2022، فيما يتزامن اليوم العالمي مع الذكرى الخامسة والعشرين لاتفاقية اليونسكو لعام 2001 الخاصة بحماية التراث الثقافي المغمور بالمياه.
ويرى الأستاذ الدكتور عماد خليل نائب رئيس جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا (MUST) لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، وأستاذ كرسي اليونسكو للتراث الثقافي المغمور بالمياه، أن انتقال المبادرة من فكرة أكاديمية إلى مناسبة عالمية يعكس أهمية العمل العلمي الجماعي، كما يبرز ما تمتلكه مصر من خبرات وقدرات علمية وتقنية في مجال الآثار البحرية.
وهنا تبدو المسألة أكبر من مجرد نجاح مبادرة مصرية في الوصول إلى اليونسكو؛ فاعتماد اليوم العالمي يضع التراث الموجود تحت المياه في مساحة جديدة من الاهتمام الدولي، ويمنح الدول والمؤسسات العلمية فرصة أكبر لتبادل المعرفة والتقنيات والخبرات اللازمة لحمايته.
التراث الغارق ليس حطامًا
ربما كانت إحدى أهم الأفكار التي تفرض نفسها مع هذا اليوم العالمي هي تغيير النظرة إلى التراث المغمور بالمياه.
فالأثر الموجود في قاع البحر ليس مجرد حطام ينتظر انتشاله، وإنما قد يكون جزءًا من مدينة كاملة، أو ميناء كان مركزًا للحركة التجارية، أو سفينة تحمل قصة عن العلاقات بين شعوب وحضارات مختلفة.
ولهذا يصبح الحفاظ على الموقع في مكانه، ودراسته علميًا وتوثيقه، أحيانًا أهم من مجرد استخراج القطع الموجودة داخله.
ومن هنا يأتي الدور الذي تلعبه اليونسكو في حماية هذا التراث من النهب والاتجار غير المشروع، ووضع أطر للتعاون بين الدول وتبادل البيانات والخبرات العلمية، بحيث لا تتحول الكنوز الموجودة في أعماق البحار إلى مجال للمنافسة أو الاستغلال التجاري، وإنما تبقى جزءًا من التراث الإنساني الذي يستحق الحماية.
ويشير الدكتور شريف صلاح، الأمين المساعد للجنة الوطنية المصرية لليونسكو، إلى جانب آخر من القضية، يتعلق بضرورة ربط التراث المغمور بالهوية الثقافية وتعريف الأجيال الجديدة به، إلى جانب بناء قدرات المعلمين وفق أحدث الممارسات الدولية.
وهذا الجانب مهم لأن حماية التراث تبدأ في النهاية من معرفة قيمته.
الإسكندرية.. مدينة تستعيد جزءًا من ذاكرتها
ليس غريبًا أن تكون الإسكندرية مسرحًا لهذه المبادرة.
فالمدينة التي تشكل البحر جزءًا أساسيًا من تكوينها التاريخي، تحمل في مياهها آثارًا وشواهد على مراحل مختلفة من تاريخها، بما يجعل دراسة التراث المغمور فيها محاولة لاستعادة أجزاء من قصة المدينة نفسها.
ومن هنا تبدو المواقع الغارقة في الميناء الشرقي، وقصص مدينتي ثونيس-هيراكليون وكانوب، أكثر من مجرد موضوعات متخصصة في علم الآثار؛ إنها مواد يمكن أن تعيد تقديم التاريخ للأجيال الجديدة بصورة مختلفة.
وفي هذا السياق، يمكن للتكنولوجيا أن تغير علاقة الجمهور بهذا العالم البعيد.
فالواقع الافتراضي، والماسحات الضوئية، والغواصات المسيرة وغيرها من أدوات الاستكشاف الحديثة، تتيح للباحثين دراسة المواقع بصورة أكثر تطورًا، كما تتيح للجمهور، بمن في ذلك الأطفال وغير القادرين على الغوص، الاقتراب من هذه الآثار ورؤيتها وفهم قصتها.
من علم الآثار إلى الاقتصاد والتعليم
وهنا تتسع دائرة الفكرة.
فالتراث المغمور بالمياه لا يمكن أن يبقى محصورًا في غرف البحث العلمي. هناك إمكانات كبيرة لربطه بالسياحة الثقافية، وبالاقتصاد الأزرق، وبالتعليم، وبالصناعات القائمة على التكنولوجيا.
وتطرح الاحتفالية تصورًا لمسارات تعليمية تجمع بين الآثار والبيولوجيا البحرية والجيولوجيا والهندسة، فضلًا عن تطوير تقنيات الاستكشاف والتوثيق.
كما تبرز إمكانية الاستفادة من الواقع الافتراضي في تقديم المواقع الأثرية للجمهور، إلى جانب مقترحات المتاحف المفتوحة تحت الماء في مناطق مثل الميناء الشرقي.
وبذلك لا يصبح الهدف مجرد الحفاظ على الماضي، وإنما تحويل المعرفة بهذا الماضي إلى مساحة لإنتاج معرفة جديدة وفرص جديدة.
وهذا ما يجعل التراث المغمور جزءًا من قضية التنمية، وليس مجرد ملف أثري منفصل عنها.
العلم المصري في قلب المشهد
الحضور الأكاديمي المصري في الاحتفالية لم يكن مجرد حضور بروتوكولي، وإنما يعكس الدور الذي لعبته المؤسسات العلمية المصرية في الوصول بالمبادرة إلى المستوى الدولي.
وأشار الدكتور أحمد عادل عبد الحكيم، القائم بأعمال رئيس جامعة الإسكندرية، إلى ما يمثله اعتماد المبادرة دوليًا من اعتراف بالمكانة العلمية للكوادر الأكاديمية المصرية.
كما لفتت الدكتورة غادة عبد الباري، أمين عام اللجنة الوطنية لليونسكو، إلى أهمية مركز الآثار البحرية بجامعة الإسكندرية باعتباره منصة أساسية لاستكشاف التراث الموجود في الأعماق وتأهيل المتخصصين القادرين على حمايته والاستفادة منه.
وبين هذه الرؤية الأكاديمية والرؤية الثقافية، تظهر قيمة أخرى للمبادرة: أن الحفاظ على التراث يحتاج إلى مؤسسة علمية تعرف كيف تقرأه، ومؤسسات قادرة على حمايته، وجمهور يدرك قيمته.
«إعلان الإسكندرية».. خطوة أبعد من الاحتفال
لم تتوقف الاحتفالية عند إطلاق اليوم العالمي، وإنما شهدت اعتماد «إعلان الإسكندرية» لتعزيز التعاون وتبادل التقنيات والخبرات في مجال حماية التراث الثقافي المغمور بالمياه.
كما افتتحت مكتبة الإسكندرية معرض «على خطى أونرفروست» احتفاءً بإرث العالمة هانر فروست، إحدى الرائدات في مجال الآثار البحرية، إلى جانب معرض «الناس والبحر» بالتعاون مع القنصلية الفخرية لإيطاليا، لتوثيق العلاقة التاريخية والإنسانية بين شعوب البحر المتوسط والبحر.
وهكذا لم تعد المناسبة مجرد احتفال بيوم جديد في التقويم الدولي، وإنما محاولة لوضع قضية التراث المغمور في مسار مستمر من البحث والحماية والتعليم والتعاون.
التاريخ الذي حفظه البحر
في النهاية، ربما تكون أجمل مفارقة في هذه المناسبة أن البحر الذي ابتلع آثارًا ومدنًا وسفنًا عبر التاريخ، هو نفسه الذي حفظها لنا.
ما يبدو اليوم أثرًا غارقًا قد يكون غدًا مصدرًا لفهم جديد لحياة أجيال سبقتنا بآلاف السنين.
ولهذا فإن حماية التراث المغمور بالمياه ليست مجرد حماية لحجارة أو أخشاب أو قطع أثرية، وإنما حماية لقصص البشر الذين عاشوا وبنوا وتاجروا وسافروا وتواصلوا عبر هذا البحر.
ومن قلب الإسكندرية، التي عاشت طويلًا على صلة بالمتوسط، تأتي المبادرة المصرية لتضع هذه الذاكرة تحت الضوء من جديد.
فالتاريخ لا يختفي لأنه غرق، والأثر لا يفقد قيمته لأنه استقر تحت الأمواج؛ أحيانًا يحتاج التاريخ فقط إلى من يملك العلم والصبر والقدرة على الغوص إلى أعماقه.