عاجل

في أقل من يومين، تحول “قاع الهامور” من فكرة مستوحاة من عالم سبونج بوب وكائناته البحرية إلى واحد من أكبر التجمعات على فيسبوك في مصر، بعدما تجاوز عدد أعضائه المليون. آلاف المنشورات والتعليقات والتصميمات الساخرة، ومشاركة لافتة من مواطنين ونجوم ومؤثرين، جعلت من “القاع” ظاهرة تستحق التوقف أمامها، ليس باعتبارها مجرد “ترند”، ولكن باعتبارها انعكاسًا لحالة مجتمعية.
وكعادة المصريين، كانت السخرية هي اللغة المشتركة. فداخل الجروب، اختلط الخيال بالواقع، وتحولت الشكاوى اليومية الاعتيادية منها والمبالغة إلى “بوستات” ساخرة، وأصبحت الضغوط الاقتصادية والاجتماعية  مادة لتصميمات كرتونية في مشهد يؤكد أن روح الدعابة لا تزال واحدة من أهم أدوات المصريين في مواجهة التحديات.

لكن، وعلى الجانب الآخر، ظهرت تساؤلات مشروعة حول طبيعة هذه المساحات الرقمية. فهناك من يرى أنها متنفس طبيعي للتعبير عن الرأي، بينما يحذر آخرون من أن بعض المنصات قد تتحول، مع الوقت، من مساحة للسخرية إلى بيئة تغذي الإحباط أو تدفع إلى تعميم صورة سلبية عن الواقع، وهو ما يستدعي قدرًا من الوعي في التعامل معها، وذهب اخرون الي التوقع بمن يقف خلف تلك الحملة التي تنامت بسرعة مذهلة، فما الذي يمنع من استخدامها لتوجيه الرأي العام مثلما رأينا من صفحات مثيلة ظهرت بين ليلة وضحاها متضمنة ادعية او سياحة او متابعة منتجات قبل ان تتحول الي صفحات تبث سموماً واشاعات.
الملفت تزامن اطلاق تلك الحملة مع  “فضفضة” وزير الدولة للإعلام، الكاتب الصحفي ضياء رشوان الذي  دعا من خلالها  إلى تعزيز حضور المواطن في وسائل الإعلام، وإتاحة مساحات للحوار الموضوعي والاستماع إلى مختلف الآراء، مؤكدًا أن نقل احتياجات المواطنين والتعبير عنها هو جزء أصيل من دور الإعلام، في إطار المهنية والمسؤولية واحترام القانون.
الإعلاميون والصحفيون انفسهم ينتظرون من الوزير أن يترجم هذا التوجه الي خطوات عملية تدعم وتعزز إتاحة المعلومات، وتنظم تداولها، بما يضمن وصول الحقائق إلى المواطنين ووسائل الإعلام في الوقت المناسب، ويغلق الباب أمام المدعين وأصحاب الادعاءات غير المستندة إلى معلومات موثوقة، وكذلك أمام الأخبار أو الساعات المشتراة  في قنوات تبث بموافقة  من مجالس الاعلام ومنها ما يستخدم لتغييب وعي  او لتوجيه الرأي العام أو صناعة صورة مغايرة للواقع.

كل تلك الشواهد  تؤكد أن تنظيم المجال الإعلامي يمكن أن يسهم في ترسيخ الأخلاق المهنية على مواقع التواصل الاجتماعي، والحد من التجاوزات وخطابات التشهير والتحريض، بما يحفظ حق الجميع في التعبير، ويصون في الوقت نفسه كرامة الأفراد والمصلحة العامة.

وهنا تبدو الصلة بين “قاع الهامور” و”فضفضة” الوزير واضحة مهما بدا في طريق متوازي علي النقيض بما   يعكس حاجة المواطن إلى مساحة يتحدث فيها ويجد من يستمع إليه
هذه المساحة  التي لا تكتمل قيمتها إلا عندما تتحول من مجرد تنفيس ساخر إلى حوار مسؤول، يجد طريقه إلى إعلام مهني قادر على نقل الشكاوى، والتحقق من المعلومات، وتقديم الردود والتوضيحات.

وهنا تبدو المعادلة واضحة فحرية الرأي والتعبير ليست محل خلاف، بل هي ركيزة أساسية لأي مجتمع قادر على التطور، لكنها في الوقت نفسه ترتبط بالمسؤولية. فالتعبير عن المشكلات والانتقادات حق، ما دام قائمًا على الحقائق، ويهدف إلى الإصلاح، بعيدًا عن نشر الشائعات أو التحريض أو أي خطاب يمكن أن يمس أمن الدولة واستقرارها أو يزرع اليأس بين المواطنين.

فالمجتمعات القوية لا تخشى سماع أصوات مواطنيها، بل تستفيد منها في تصحيح المسار وتطوير الأداء. كما أن المواطنين يشعرون بثقة أكبر عندما يجدون من يستمع إليهم، ويوضح الحقائق، ويتفاعل مع ما يطرحونه بجدية وشفافية.

وربما لهذا السبب نجح “قاع الهامور” في جذب هذا العدد الكبير خلال وقت قياسي لأنه منح الناس مساحة للحديث بلغتهم، وبأسلوبهم، حتى وإن كان ساخرًا وان كان مدفوعاً من جهات.

قد ينتهي الترند بعد أيام وقد يتطور ويتجذر ويتحول، لكن الرسالة ستبقى: ستظل هناك شكاوى حقيقية، وهذا أمر طبيعي في أي مجتمع. والأهم ليس إسكاتها، ولا تركها تتراكم، وإنما الاستماع إليها، ومناقشتها، والرد عليها، وشرح الحقائق بشفافية. فالحوار المسؤول هو الضمانة الحقيقية لتعزيز الثقة، وترسيخ الوعي، وحماية المجتمع، بما يحفظ حق المواطنين في التعبير، ويصون في الوقت نفسه أمن الدولة واستقرارها.

تم نسخ الرابط