لم تكن أفريقيا بالنسبة إلى مصر، منذ ثورة يوليو 1952، مجرد امتداد جغرافي أو دائرة ثانوية في السياسة الخارجية، وإنما مثلت أحد المكونات الأساسية لفهم مصر لأمنها القومي ومكانتها الإقليمية ودورها الدولي .
فالجغرافيا وضعت مصر عند بوابة القارة الشمالية، والنيل ربطها عضوياً بشرق أفريقيا وحوض النهر، بينما جعل التاريخ المشترك وحركات التحرر الوطني والاستعمار الأوروبي من القارة مجالاً طبيعياً للحركة المصرية.
ولهذا فإن تتبع العلاقات المصرية الأفريقية منذ 1952 يكشف عن تطور في أدوات السياسة أكثر مما يكشف عن تغير في جوهر المصالح ،
ففي عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر كان دعم التحرر والاستقلال وبناء التضامن الأفريقي هو الأداة الأبرز، ثم انتقلت العلاقة تدريجياً إلى التعاون الفني وبناء القدرات والتنمية، وصولاً إلى الاستثمار والمشروعات الكبرى والشراكات الاقتصادية في عهد السيد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
وتبدو العلاقات المصرية التنزانية نموذجاً بالغ الدلالة لهذا التحول؛ إذ انتقلت من دعم مصر لنضال " جوليوس نيريري" ضد الاستعمار إلى مشاركة الشركات المصرية في بناء سد يحمل اسمه.
أولا : ثورة يوليو 1952 وأفريقيا: من الهوية إلى المصلحة
وضعت ثورة يوليو أفريقيا ضمن دوائر الحركة الرئيسة للسياسة الخارجية المصرية ، وقد اعتبر الرئيس الراحل عبد الناصر القارة الدائرة الثانية بعد الدائرة العربية، انطلاقاً من الموقع الجغرافي ومن حقيقة أن أي صراع أو تحول في أفريقيا ستكون له انعكاسات مباشرة على مصر.
من هذا المنظور، لم يكن دعم استقلال الشعوب الأفريقية عملاً تضامنياً فقط، وإنما كان أيضاً استثماراً في بيئة إقليمية أكثر استقلالاً عن القوى الاستعمارية.
بين عامي 1952 و1967، دعمت مصر استقلال 34 دولة أفريقية، مستخدمة أدوات سياسية ودبلوماسية وإعلامية وعسكرية ، وشمل ذلك مساندة استقلال المغرب وتونس والجزائر، ودعم حركات التحرر في الكونغو وأنجولا وموزمبيق وكينيا، ومساندة الكفاح ضد الاستعمار في مناطق أخرى من القارة. كما دعمت مصر حركة «الماو ماو» في كينيا، وخصصت إذاعة «صوت أفريقيا» لدعم نضالات الشعوب الأفريقية.
لكن القاهرة لم تبنِ حضورها الأفريقي على الدعم السياسي وحده ، فقد شاركت مؤسسات التعليم والثقافة والأزهر والإعلام والتدريب في بناء جسور مع المجتمعات الأفريقية. واستقبلت مصر طلاباً ومتدربين أفارقة، وأسهمت في تكوين كوادر ارتبط بعضها لاحقاً بالمؤسسات السياسية والإدارية في بلاده ، وهنا اكتسب التعليم أهمية تتجاوز فكرة المنحة الدراسية؛ إذ أصبح وسيلة لبناء علاقات " إنسانية ونخبوية " طويلة المدى، إلى جانب ما ارتبط به من تدريب أبناء وكوادر من الأسر والنخب السياسية الأفريقية.
ثانيا : غانا وغينيا والجزائر وجنوب أفريقيا: شبكة من العلاقات التاريخية
لم تكن العلاقات المصرية مع دولة أفريقية واحدة أو منطقة بعينها، بل تشكلت شبكة واسعة من الروابط ، في غانا، وجدت القاهرة نفسها قريبة من مشروع " كوامي نكروما " ، وشاركت مصر في مؤتمرات الدول الأفريقية المستقلة، ومنها مؤتمر غانا عام 1958، الذي كان من المحطات المهمة في تطور الحركة الوحدوية والتحررية الأفريقية.
وفي غينيا، نشأت علاقة وثيقة بين عبد الناصر وأحمد سيكو توري، وأصبحت العلاقات بين البلدين جزءاً من شبكة التضامن بين الدول التي اختارت طريق الاستقلال عن الاستعمار. ولا تزال " جامعة جمال عبد الناصر" في كوناكري إحدى العلامات الرمزية على عمق ذلك الإرث.
أما الجزائر، فقد كان دعم الثورة الجزائرية ضد الاستعمار الفرنسي أحد أبرز ملفات السياسة المصرية في الخمسينيات والستينيات. وفي جنوب أفريقيا، دعمت القاهرة حركات مقاومة نظام الفصل العنصري، واحتضنت ممثلين عن حركات التحرر، واستمرت في مساندة نضال المؤتمر الوطني الأفريقي حتى سقوط نظام الفصل العنصري.
ولذلك لم يكن غريباً أن يصبح عبد الناصر جزءاً من الذاكرة السياسية لحركات التحرر الأفريقية، وأن يزور نيلسون مانديلا القاهرة ويتوجه إلى ضريح عبد الناصر، في تعبير رمزي عن مكانة الدور المصري في ذاكرة التحرر الأفريقي.
ثالثا : السودان والنيل: نموذج المصالح التي تفرضها الجغرافيا
يمثل السودان حالة خاصة في السياسة المصرية تجاه أفريقيا، لأن العلاقة لا تقوم فقط على التضامن التاريخي، وإنما على تداخل الجغرافيا والأمن والمياه والمصالح الاقتصادية والاجتماعية.
أقرت مصر بحق السودان في تقرير مصيره، ودعمت استقلاله عام 1956، ثم أصبحت العلاقة بين البلدين مرتبطة بصورة متزايدة بقضية النيل ، وهنا برزت واحدة من أكثر معادلات السياسة المصرية تعقيداً: الدفاع عن الأمن المائي المصري مع الاعتراف في الوقت نفسه بحق دول حوض النيل في التنمية.
هذه المعادلة تفسر جانباً مهماً من السياسة المصرية تجاه أفريقيا في العقود التالية ، فالنيل ليس مجرد مورد مائي بالنسبة إلى مصر، وإنما قضية ترتبط بالأمن القومي، لكن التعامل معها لا يمكن أن ينجح من خلال منظور مصري منفرد؛ لأن النهر منظومة إقليمية تشترك فيها دول المنبع والمصب.
رابعا : من التحرر إلى التنمية: أفريقيا بعد السبعينيات
شهدت السبعينيات من القرن العشرين انتقالاً مهماً من التركيز على التحرر الوطني إلى توسيع مفهوم التعاون العربي الأفريقي ، وكان موقف الدول الأفريقية من مصر خلال حرب أكتوبر 1973 دليلاً على أن العلاقات التي تأسست في عهد التحرر تحولت إلى رصيد سياسي متبادل؛ إذ قطعت معظم الدول الأفريقية علاقاتها بإسرائيل آنذاك.
وفي 1977 استضافت القاهرة أول قمة عربية أفريقية، في خطوة جسدت الانتقال من التضامن السياسي إلى بناء أطر للتعاون الاقتصادي والمؤسسي.
أما في الثمانينيات والتسعينيات، فأصبح دعم التنمية وبناء القدرات أكثر حضوراً ، وأنشأت مصر " الصندوق المصري للتعاون الفني مع أفريقيا " ، ووسعت برامج التدريب والمنح والخبراء، كما شاركت في جهود تسوية النزاعات في الصومال وأنجولا وموزمبيق، وساهمت في جهود استقلال ناميبيا وإنهاء نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا.
تولت مصر رئاسة منظمة الوحدة الأفريقية – التي شاركت في تأسيسها مطلع الستينيات - في عامي 1989 و1993، وفي فترة رئاستها عام 1993 أُنشئت آلية لمنع وإدارة المنازعات في القارة.
وهكذا بدأ مفهوم المصلحة المشتركة يأخذ معنى أوسع: ليست المصلحة المصرية فقط في استقلال أفريقيا، وإنما في استقرار دولها وقدرتها على بناء مؤسساتها واقتصاداتها.
خامسا: تنزانيا: العلاقة التي تختصر تاريخ مصر في أفريقيا
إذا كان مطلوباً اختيار نموذج يجسد تطور السياسة المصرية في أفريقيا عبر أكثر من سبعة عقود، فإن تنزانيا ربما تكون النموذج الأكثر وضوحاً.
فالعلاقة المصرية التنزانية سبقت قيام الدولة في تنزانيا بصورتها الحالية ، ففي عام 1954 تأسس " الاتحاد الوطني الأفريقي التنجانيقي" بقيادة " جوليوس نيريري " للمطالبة باستقلال تنجانيقا عن بريطانيا، وحظيت الحركة بدعم مباشر من مصر عبد الناصر حتى تحقق الاستقلال عام 1961.
وبعد استقلال تنجانيقا ثم اتحادها مع زنجبار عام 1964، كانت مصر من الدول التي سارعت إلى الاعتراف بالجمهورية المتحدة، واستمرت العلاقة الشخصية والسياسية بين عبد الناصر ونيريري.
لكن أهمية التجربة التنزانية لا تكمن في بعدها التاريخي فقط ، فهي تكشف كيف يمكن لعلاقة بدأت في مرحلة التحرر الوطني أن تنتقل، بعد عقود، إلى مرحلة الشراكة التنموية.
ففي عهد عبد الناصر كان نيريري بالنسبة إلى القاهرة زعيماً لحركة تحرر أفريقية، وكان دعم استقلال تنجانيقا جزءاً من السياسة المصرية المناهضة للاستعمار ، أما في القرن الحادي والعشرين، فقد أصبح اسم نيريري نفسه عنواناً لمشروع تنموي ضخم تشارك مصر في تنفيذه: سد ومحطة جوليوس نيريري الكهرومائية على نهر روفيجي.
وهنا تكتسب العلاقة دلالة رمزية وسياسية استثنائية: مصر التي وقفت إلى جانب نيريري في معركة الاستقلال أصبحت، بعد أكثر من نصف قرن، شريكاً في مشروع يحمل اسمه ويسهم في دعم البنية الأساسية لتنزانيا.
سادسا : سد جوليوس نيريري: من التضامن السياسي إلى الشراكة التنموية
ينفذ مشروع سد جوليوس نيريري تحالف يضم شركات مصرية ، ويستهدف إنشاء منشأة ضخمة لإنتاج الكهرباء وإدارة الموارد المائية ، ويضم المشروع سداً يبلغ طوله نحو 1025 متراً، وخزاناً بسعة تقارب 34 مليار متر مكعب، ومحطة كهرومائية بقدرة 2115 ميجاوات.
وتتجاوز أهمية المشروع قيمته الهندسية. فهو نموذج لمعادلة جديدة في العلاقات المصرية الأفريقية: تنزانيا تحصل على بنية أساسية وطاقة وخبرة فنية، بينما تحصل مصر وشركاتها على فرصة اقتصادية واستراتيجية لتوسيع حضورها في السوق الأفريقية.
كما أن المشروع يقدم دلالة سياسية مهمة في ملف المياه. فمصر، التي تعتبر الأمن المائي أولوية استراتيجية بسبب اعتمادها الكبير على النيل، تشارك في بناء سد كبير في دولة أخرى من دول حوض النيل. وهذا يوضح أن الموقف المصري لا يقوم، من حيث المبدأ، على رفض مشروعات التنمية المائية في دول الحوض، وإنما على ضرورة ألا تتحول هذه المشروعات إلى مصدر للإضرار بمصالح الدول الأخرى.
ومن هنا يصبح سد جوليوس نيريري أكثر من مشروع اقتصادي؛ فهو نموذج لما يمكن أن تصبح عليه العلاقات المصرية الأفريقية عندما تتحول المصالح السياسية التاريخية إلى مشروعات مشتركة قابلة للقياس.
سابعا : 2014 وما بعدها ، العودة إلى قلب القارة
مع وصول السيد الرئيس إلى السلطة عام 2014، استعادت أفريقيا موقعاً أكثر وضوحاً في السياسة الخارجية المصرية ، فقد تكثفت الزيارات والاتصالات الرئاسية، وتوسعت العلاقات مع دول حوض النيل وشرق وغرب أفريقيا، وأصبحت ملفات التجارة والاستثمار والطاقة والبنية الأساسية جزءاً أساسياً من أدوات التحرك المصري.
وجاءت رئاسة مصر للاتحاد الأفريقي عام 2019 لتمنح هذا التوجه إطاراً قارياً ، فقد ركزت القاهرة على التكامل الاقتصادي، وتعزيز التجارة البينية، والبنية الأساسية، ودعم أجندة الاتحاد الأفريقي 2063، إلى جانب ملفات الأمن وحفظ السلام.
واللافت في المرحلة الجديدة هو الانتقال من مفهوم " الدعم " إلى مفهوم " الشراكة" ، ففي الماضي كانت القاهرة تقدم دعماً لحركة تحرر أو تستقبل طالباً أفريقياً أو تدرب كوادر وطنية. أما اليوم، فإن العلاقة قد تأخذ شكل شركة مصرية تنفذ محطة كهرباء، أو مشروع بنية أساسية، أو استثمار في الاتصالات والطاقة، أو تعاون في الصحة والزراعة.
وهذا التحول لا يلغي البعد السياسي، بل يجعله أكثر ارتباطاً بالمصلحة الاقتصادية المباشرة.
وفي الختام
تكشف التجربة التاريخية أن البعد الأفريقي في السياسة الخارجية المصرية مر بثلاثة أطوار رئيسية: التضامن مع التحرر والاستقلال، ثم دعم بناء الدولة والتنمية، ثم الشراكة الاقتصادية والتنموية.
وفي كل مرحلة ظلت هناك مصالح مشتركة تحكم العلاقة: أمن النيل، استقرار البحر الأحمر والقرن الأفريقي، مكافحة الإرهاب والنزاعات، فتح الأسواق، دعم الشركات المصرية، وتعزيز الحضور الدبلوماسي والثقافي.
لكن العلاقات المصرية التنزانية تختصر هذا التاريخ كله بصورة شديدة الوضوح ، ففي خمسينيات القرن الماضي كانت القاهرة تدعم نيريري في مواجهة الاستعمار؛ وفي الستينيات وقفت إلى جانب الدولة التنزانية الجديدة؛ وفي العقود التالية استمرت الروابط السياسية والتعليمية والثقافية؛ ثم في عهد السيسي أصبحت الشركات المصرية شريكاً في مشروع تنموي استراتيجي يحمل اسم " نيريري" .
وهكذا تنتقل فصول القصة من : " مصر التي تساند أفريقيا في معركة الاستقلال" إلى " مصر التي تشارك أفريقيا في معركة التنمية"