من أكثر المفارقات التي يعيشها الإنسان المعاصر أننا نملك اليوم وسائل للمعرفة لم تكن متاحة لأي جيل سابق، ومع ذلك أصبح الوصول إلى الحقيقة أكثر صعوبة، بضغطة واحدة يمكن أن نصل إلى آلاف الكتب والمقالات والمعلومات، ويمكن للهاتف الصغير الذي نحمله في أيدينا أن يفتح لنا أبوابا واسعة من المعرفة، لكن الإنسان في الوقت نفسه أصبح أكثر تعرضا للتشتت، وأقل صبرا على القراءة الطويلة، وأكثر ميلا إلى تلقي المعلومة في صورتها الأسرع والأبسط، حتى تحولت المعرفة لدى كثيرين من رحلة للبحث والفهم إلى مجرد محتوى عابر يظهر على الشاشة ثم يختفي بعد ثوان.
إن فكرة إتاحة المعرفة للجميع لها أهمية مضاعفة، ليس باعتبارها مجرد وسيلة لتوفير الكتب، وإنما باعتبارها مدخلا لإعادة ترتيب علاقتنا بالمعرفة نفسها، القراءة في جوهرها ليست فعلا ثقافيا عابرا، وإنما تدريب يومي على الصبر والانتباه وربط الأفكار ببعضها، وهي مهارات تزداد الحاجة إليها كلما تسارعت التكنولوجيا وتراجعت المسافة بين الإنسان والمعلومة، نحن لا نحتاج إلى مجتمع يعرف معلومات أكثر فقط، وإنما إلى مجتمع يمتلك القدرة على التفكير فيما يصله، ووضعه في سياقه، ومقارنة الروايات المختلفة حوله، والتمييز بين ما يستحق الاهتمام وما يستحق التجاوز. فالمعرفة الحقيقية لا تقاس بكمية ما نعرف، وإنما بقدرتنا على استخدام ما نعرفه في فهم العالم من حولنا.
العودة إلى الكتاب والمعرفة ضرورة تتجاوز فكرة القراءة في حد ذاتها، لأن الإنسان حين يقرأ لا يضيف معلومة جديدة إلى ذاكرته فقط، وإنما يمنح عقله فرصة ليتأنى ويتأمل ويربط بين الأشياء في زمن تصل فيه الأخبار إلينا أسرع من قدرتنا على فهمها، وتتحول فيه المعلومة خلال دقائق إلى رأي عام، نحتاج إلى إنسان لا يكتفي بأن يعرف، وإنما يعرف كيف يفكر فيما يعرف نحتاج إلى عقل لا تستوقفه المعلومة لمجرد أنها مثيرة، ولا يصدق الصورة لمجرد أنها تبدو حقيقية، ولا يشارك الخبر لمجرد أن الجميع يتحدثون عنه وهذه في النهاية إحدى أهم وظائف القراءة: أن تمنح الإنسان المسافة اللازمة بين ما يسمعه وما يصدقه.
وهنا تحديدا يظهر الذكاء الاصطناعي كتحول كبير في طبيعة العلاقة بين الإنسان والمعرفة فقد أصبح بإمكان أي شخص أن يحصل خلال ثوان على إجابة عن سؤال كان يحتاج في الماضي إلى ساعات من البحث، وأن يلخص كتابا أو تقريرا أو دراسة، وأن ينتج نصا أو صورة أو فيديو بسهولة غير مسبوقة، وهذه الثورة ليست خطرا يجب الخوف منه، ولا حلا سحريا لكل مشكلات المعرفة، وإنما أداة جديدة تحتاج إلى إنسان يمتلك الوعي الكافي لاستخدامها، الذكاء الاصطناعي يستطيع أن يختصر الطريق إلى المعلومة، لكنه لا يستطيع أن يختصر الطريق إلى الحكمة.
القيمة الحقيقية للقراءة تكمن في أن الإنسان الذي يقرأ لا يجمع معلومات فقط، وإنما يبني داخله قدرة على المقارنة والتحليل وفهم السياق الكتاب لا يقدم له دائما إجابة مباشرة، وإنما يدفعه أحيانا إلى التفكير والاختلاف وإعادة النظر في أفكاره وهذه العملية الطويلة هي التي تصنع عقلا أكثر استقلالا، وهو ما نحتاج إليه بشدة في زمن أصبحت فيه صناعة التأثير أسرع من أي وقت مضى، الشائعة اليوم لا تحتاج إلى جريدة أو قناة تلفزيونية حتى تنتشر، وقد تبدأ من حساب مجهول ثم تتحول خلال ساعات إلى حديث عام، وقد تستخدم صورة حقيقية في سياق زائف، أو مقطعا قديما باعتباره حدثا جديدا، أو محتوى مولدا بالذكاء الاصطناعي يبدو حقيقيا بدرجة يصعب معها اكتشافه بالعين وحدها.
لكن المشكلة في النهاية ليست في الشائعة وحدها، وإنما في البيئة التي تسمح لها بالانتشار كلما كان الإنسان أكثر اعتمادا على المعلومة السريعة، وأكثر ابتعادا عن البحث والتحقق، أصبح أكثر قابلية للتأثر، وكلما امتلك ثقافة معرفية أوسع، أصبح قادرا على اكتشاف التناقض والسؤال عن المصدر ومراجعة المعلومة قبل أن يشاركها ولذلك فإن بناء الوعي لا ينبغي أن يبدأ من لحظة ظهور الشائعة، وإنما من سنوات طويلة من بناء الإنسان القادر على التفكير.
لم تعد القراءة مجرد وسيلة لاكتساب المعرفة، وإنما أصبحت جزءا من معركة أوسع للحفاظ على قدرة الإنسان على الفهم والتفكير في عالم تتغير فيه أدوات التأثير يوما بعد آخر و يمكن أن تصبح جزءا من مشروع وطني أوسع لإعادة الاعتبار للمعرفة، يبدأ من الطفل ولا يتوقف عند مرحلة عمرية معينة، ويصل إلى المدارس والجامعات ومراكز الشباب والمكتبات والجامعات الرقمية والمنصات الإلكترونية، ويمكن أن يتسع مفهوم الكتاب نفسه ليشمل المحتوى الرقمي الرصين، والمواد التعليمية، والكتب الصوتية، والبرامج التي تساعد المواطن على فهم التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والإعلام الرقمي.
المهم ألا نتعامل مع القراءة باعتبارها نشاطا نطلب من الناس ممارسته، وإنما باعتبارها جزءا من الحياة اليومية، الطفل الذي يجد الكتاب قريبا منه، والأسرة التي تتحدث عن المعرفة، والمدرسة التي تمنح الطالب مساحة للبحث لا للحفظ فقط، والمجتمع الذي يحتفي بالعالم والقارئ والمبدع، كلها عناصر تصنع بيئة مختلفة تماما وفي هذه البيئة يصبح الوعي نتيجة طبيعية لتراكم المعرفة، وليس حملة مؤقتة تظهر عندما نواجه أزمة أو شائعة.
لقد تغير العالم من حولنا، وربما آن الأوان لكي تتغير الطريقة التي ننظر بها إلى القراءة أيضا، لم يعد السؤال فقط: ماذا قرأنا؟ وإنما ماذا تعلمنا من قراءتنا؟ وكيف أثرت في قدرتنا على التفكير؟ وهل جعلتنا أكثر استقلالا في الحكم على الأشياء؟ وهل أصبحنا أكثر قدرة على التعامل مع التكنولوجيا بدلا من أن نكون مجرد مستهلكين لها؟
إن إعادة إحياء روح «القراءة » في عصر الذكاء الاصطناعي يمكن أن تكون أكثر من استعادة لمشروع ثقافي مهم؛ يمكن أن تكون استعادة لفكرة أعمق، هي أن المعرفة ليست رفاهية، وأن بناء الإنسان يبدأ من بناء عقله وفي عالم يستطيع فيه الذكاء الاصطناعي أن ينتج ملايين الكلمات والصور خلال لحظات، تصبح القيمة الحقيقية ليست في كثرة ما ننتجه أو نستهلكه، وإنما في قدرتنا على التمييز والفهم والاختيار.
لهذا فإن معركة الوعي في السنوات المقبلة لن تكون معركة امتلاك المعلومات، فقد أصبحت المعلومات متاحة للجميع تقريبا، وإنما ستكون معركة امتلاك القدرة على التعامل معها وهنا يمكن للقراءة أن تستعيد مكانتها باعتبارها واحدة من أهم أدوات بناء الإنسان، لا لأنها تمنحه إجابات جاهزة، وإنما لأنها تعلمه كيف يبحث عن الإجابة، وكيف يشك، وكيف يفكر، وكيف يرى الصورة كاملة قبل أن يصدق جزءا منها.
القراءة في زمن الذكاء الاصطناعي، لم تعد فقط دعوة إلى أن نقرأ أكثر، وإنما دعوة إلى أن نفكر أفضل.