عاجل

في رواية «الحرام» ليوسف إدريس منذ نصف قرن، فُضح مشكلة الأُجراء، أو المعدمين وخاصة عمال اليومية الذين لا يتذكرهم أحد إلا عند وقوع كارثة لهم، ولكن سرعان ما ننساهم انتظارًا لكارثة جديدة. هم مجرد مشاهد عابرة لا ظواهر مستقرة، خبر حزين في صفحة جورنال كما حدث مع شهداء لقمة العيش بطريق الإسماعيلية، وهو حادث موسمي على الطرق كل صيف؛ ننفعل ونترحم ونغضب ونلوم أولياء أمور الأطفال على دهسهم مبكرًا في العمل، ولكن لا اقتراب حقيقي من هذه الظاهرة التي تنضح بالألم والفقر والشقاء، لا يعرفها أبناء المدن إلا ممنتجة على شاشات السينما، لا يعيشون تفاصيلها، يظنونها ضربًا من خيال، يرونها ولا يفهمونها؛ لأنها بنت منظومة اجتماعية كاملة ونمط معيشي صعب ومخيف.

عمل الأطفال أساسي لأن الأنامل الصغيرة والقامات القصيرة أكثر مناسبة لجني المحاصيل وحصادها، حتى السلطات رفعت يدها منذ عقود بعيدة عنهم، الآن تعاملهم ككم زائد، تنظر لهم عند الكوارث بغضب وتتركهم على هواهم يواجهون مصاعب البحث عن الكفاف، والسعي للحياة في بلد يفقد مع الوقت مبررات البقاء.

يحتاج ملف العمالة اليومية وغير المنتظمة إلى رؤية جديدة تتجاوز فكرة التعامل مع المخاطر بعد وقوعها، وتتحول إلى منظومة متكاملة للوقاية والتأمين والحماية الاجتماعية، خاصة في ظل طبيعة هذه العمالة التي تتسم بعدم استقرار جهة العمل وتغير مواقع العمل بصورة مستمرة.

الأزمة لا تكمن فقط في غياب القوانين، وإنما في وجود فجوة بين النصوص القانونية وبين الوصول الفعلي إلى العامل الموجود في المزرعة أو الورشة أو موقع العمل المؤقت، والتأكد من حصوله على حقوقه التأمينية والصحية وتوفير بيئة عمل آمنة له. ونحن لا نحتاج فقط إلى قانون يمنع عمالة الأطفال، وإنما إلى منظومة تستطيع أن تعرف أين يعمل الطفل، ومن يشغله، وكيف يصل إلى موقع العمل، ومن المسؤول عن سلامته. كما أن العامل اليومي يجب أن يكون مؤمنًا عليه أينما عمل؛ لأن الحق في الحماية لا يجب أن يرتبط بامتلاك عقد عمل دائم.

وهناك عمال التراحيل أو ما يُطلق عليهم "الفواعلية"، فئة تجسد معاناة يومية للمواطن المصري البسيط، الذي يبحث عن قوت يومه بالنحت في الصخر، تلك الكتلة البشرية الهائلة التي تتحرك كأشباح في خلفية المشهد المصري منذ أكثر من قرن، تحمل الفأس والمقطف، وتبني السدود والمدن، وتستصلح الأراضي، لتعود في نهاية اليوم - أو لا تعود - إلى المجهول. لا نجد اسمًا للعامل، بل نجد دائمًا اسم «المقاول»، فالمقاول هو سيد المشهد.

وهناك جيش من عمال الدائري يتفادون الزحام ويعبرون الحواجز بكل مهارة، في سباق لا يكون فيه الزمن مجرد دقائق تمر، بل معيار لاستمرارهم في العمل وكسب قوت يومهم… في مهنة توصيل الطلبات، تمثل كل دقيقة تحديًا قد يحسم نجاح المهمة بتوصيل الطلب إلى العميل في موعده، والحصول على الأجر، وربما بعض الإكراميات التي تمثل إضافة حقيقية إلى دخلهم، في مهنة أقبل عليها آلاف الشباب هربًا من شبح البطالة وسعيًا وراء الرزق.

وهناك جيش من الشباب الذين يعملون في محطات البنزين لا يتقاضون مرتبات، ولكن يعتمدون على البقشيش فقط.

وهكذا فإن الأجر اليومي في صورته الراهنة ليس مرونة تعاقدية تعود بالنفع على العامل، هو بالأساس أداة بيد صاحب العمل لاستبعاد العامل من منظومة الحقوق الكاملة. فبمجرد أن يُصنَّف العامل «عمل يومية»، يسقط حقه الفعلي في الراحة المدفوعة والإجازات والأرباح والتأمين الاجتماعي، رغم أن قانون العمل المصري يكفل هذه الحقوق نظريًا لكل من تربطه علاقة عمل مستمرة بصاحب عمل. هذا التلاعب بالتصنيف العقدي ليس إلا آلية لخفض تكلفة العمالة على حساب العمال أنفسهم.

المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من "منظومة التعويض بعد وقوع الحادث إلى منظومة الوقاية والتأمين قبل وقوعه"، من خلال إنشاء قاعدة بيانات موحدة للعمالة اليومية والموسمية، وربط العامل بملف تأميني إلكتروني مستقل عن صاحب العمل، بما يضمن استمرار مظلته التأمينية حتى مع تغير جهة أو مكان العمل.في رواية «الحرام» ليوسف إدريس منذ نصف قرن، فُضح مشكلة الأُجراء، أو المعدمين وخاصة عمال اليومية الذين لا يتذكرهم أحد إلا عند وقوع كارثة لهم، ولكن سرعان ما ننساهم انتظارًا لكارثة جديدة. هم مجرد مشاهد عابرة لا ظواهر مستقرة، خبر حزين في صفحة جورنال كما حدث مع شهداء لقمة العيش بطريق الإسماعيلية، وهو حادث موسمي على الطرق كل صيف؛ ننفعل ونترحم ونغضب ونلوم أولياء أمور الأطفال على دهسهم مبكرًا في العمل، ولكن لا اقتراب حقيقي من هذه الظاهرة التي تنضح بالألم والفقر والشقاء، لا يعرفها أبناء المدن إلا ممنتجة على شاشات السينما، لا يعيشون تفاصيلها، يظنونها ضربًا من خيال، يرونها ولا يفهمونها؛ لأنها بنت منظومة اجتماعية كاملة ونمط معيشي صعب ومخيف.

عمل الأطفال أساسي لأن الأنامل الصغيرة والقامات القصيرة أكثر مناسبة لجني المحاصيل وحصادها، حتى السلطات رفعت يدها منذ عقود بعيدة عنهم، الآن تعاملهم ككم زائد، تنظر لهم عند الكوارث بغضب وتتركهم على هواهم يواجهون مصاعب البحث عن الكفاف، والسعي للحياة في بلد يفقد مع الوقت مبررات البقاء.

يحتاج ملف العمالة اليومية وغير المنتظمة إلى رؤية جديدة تتجاوز فكرة التعامل مع المخاطر بعد وقوعها، وتتحول إلى منظومة متكاملة للوقاية والتأمين والحماية الاجتماعية، خاصة في ظل طبيعة هذه العمالة التي تتسم بعدم استقرار جهة العمل وتغير مواقع العمل بصورة مستمرة.

الأزمة لا تكمن فقط في غياب القوانين، وإنما في وجود فجوة بين النصوص القانونية وبين الوصول الفعلي إلى العامل الموجود في المزرعة أو الورشة أو موقع العمل المؤقت، والتأكد من حصوله على حقوقه التأمينية والصحية وتوفير بيئة عمل آمنة له. ونحن لا نحتاج فقط إلى قانون يمنع عمالة الأطفال، وإنما إلى منظومة تستطيع أن تعرف أين يعمل الطفل، ومن يشغله، وكيف يصل إلى موقع العمل، ومن المسؤول عن سلامته. كما أن العامل اليومي يجب أن يكون مؤمنًا عليه أينما عمل؛ لأن الحق في الحماية لا يجب أن يرتبط بامتلاك عقد عمل دائم.

وهناك عمال التراحيل أو ما يُطلق عليهم "الفواعلية"، فئة تجسد معاناة يومية للمواطن المصري البسيط، الذي يبحث عن قوت يومه بالنحت في الصخر، تلك الكتلة البشرية الهائلة التي تتحرك كأشباح في خلفية المشهد المصري منذ أكثر من قرن، تحمل الفأس والمقطف، وتبني السدود والمدن، وتستصلح الأراضي، لتعود في نهاية اليوم - أو لا تعود - إلى المجهول. لا نجد اسمًا للعامل، بل نجد دائمًا اسم «المقاول»، فالمقاول هو سيد المشهد.

وهناك جيش من عمال الدائري يتفادون الزحام ويعبرون الحواجز بكل مهارة، في سباق لا يكون فيه الزمن مجرد دقائق تمر، بل معيار لاستمرارهم في العمل وكسب قوت يومهم… في مهنة توصيل الطلبات، تمثل كل دقيقة تحديًا قد يحسم نجاح المهمة بتوصيل الطلب إلى العميل في موعده، والحصول على الأجر، وربما بعض الإكراميات التي تمثل إضافة حقيقية إلى دخلهم، في مهنة أقبل عليها آلاف الشباب هربًا من شبح البطالة وسعيًا وراء الرزق.

وهناك جيش من الشباب الذين يعملون في محطات البنزين لا يتقاضون مرتبات، ولكن يعتمدون على البقشيش فقط.

وهكذا فإن الأجر اليومي في صورته الراهنة ليس مرونة تعاقدية تعود بالنفع على العامل، هو بالأساس أداة بيد صاحب العمل لاستبعاد العامل من منظومة الحقوق الكاملة. فبمجرد أن يُصنَّف العامل «عمل يومية»، يسقط حقه الفعلي في الراحة المدفوعة والإجازات والأرباح والتأمين الاجتماعي، رغم أن قانون العمل المصري يكفل هذه الحقوق نظريًا لكل من تربطه علاقة عمل مستمرة بصاحب عمل. هذا التلاعب بالتصنيف العقدي ليس إلا آلية لخفض تكلفة العمالة على حساب العمال أنفسهم.

المرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من "منظومة التعويض بعد وقوع الحادث إلى منظومة الوقاية والتأمين قبل وقوعه"، من خلال إنشاء قاعدة بيانات موحدة للعمالة اليومية والموسمية، وربط العامل بملف تأميني إلكتروني مستقل عن صاحب العمل، بما يضمن استمرار مظلته التأمينية حتى مع تغير جهة أو مكان العمل.

تم نسخ الرابط