وعندما يأتي الليل… يتغير كل شيء
كان لليل في هيلتون النيل حكاية أخرى.
فما إن تغيب الشمس ويهدأ صخب حمام السباحة حتى يتغير وجه المكان.
كان مطعم حمام السباحة يستقبل روادًا جددًا في السهرة وتبدأ أجواء مختلفة عن أجواء النهار.
وفي تلك الليالي، كان محمد فؤاد وإيمان البحر درويش يغنيان بعد الفور ام ( عزت ابو عوف وشقيقاته ) وسط تجمع رواد السهرة حول المطعم.
كانت الموسيقى تملأ المكان والناس تجلس وتتحدث والليل يضيف إلى الفندق شيئًا من السحر.
وكان المشهد مختلفًا تمامًا عن صباحنا نحن الأطفال ففي النهار كان عالمنا هو الشمس والماء واللعب وفي الليل كان عالم الكبار يبدأ.
وجوه جديدة، وأحاديث جديدة وموسيقى وضحكات، وسهر يمتد إلى ساعات متأخرة.
وكنا نشعر أن الفندق نفسه يتغير مع غروب الشمس وكأنه يعيش حياتين: حياة تبدأ مع الصباح حول حمام السباحة وحياة أخرى تبدأ حين تضاء الأنوار ويأتي رواد السهرة.
ولم نكن نعرف وقتها أن تلك المشاهد التي تبدو عابرة ستصبح يومًا جزءًا من ذاكرة زمن كامل.
كنا نظن أن الصيف سيعود دائمًا
أجمل ما في الطفولة أننا لا نفكر في النهاية.
كنا نغادر هيلتون النيل في نهاية سبتمبر ونحن نعرف أننا سنعود في مايو القادم.
كان الأمر بالنسبة لنا يقينًا لا يحتاج إلى تفكير.
سنعود إلى الكابينة رقم 30.
ستكون أمي هناك.
وسيأتي أبي في الظهيرة.
وسيكون إيهاب معنا.
وسيكون أشرف إلى جوارنا.
وسنلتقي بالأسر نفسها والوجوه نفسها.
وسيعود الصيف.
لكننا لم نكن نعرف أن الزمن لا يعيد الأشياء بالطريقة نفسها !!
مرت السنوات.
وتغيرت الحياة.
ورحل أحباؤنا واحدًا تلو الآخر.
رحلت أمي رحمها الله.
ورحل إيهاب رحمه الله.
ومضى أبي رحمه الله إلى رحمة الله.
وتغيرت الوجوه، وتبدلت الأماكن وانتهى ذلك التقليد الذي استمر حتى عام 2000.
لكن شيئًا واحدًا لم ينتهِ : الكابينة رقم 30
فهي لا تزال قائمة في مكان لا تصل إليه يد الزمن
في الذاكرة ؛ هناك، ما زالت أمي تجلس وتراقب أبناءها.

وما زال إيهاب معنا !! وما زال أشرف إلى جواري يمسك بيدي الصغيرة ويشجعني علي مخاوفي ؛ وما زال أبي يأتي في الظهيرة يتناول الغداء معنا، ثم يذهب لينام ساعتين قبل أن يعود إلى عمله !!
وما زال حمام السباحة يعكس ضوء الشمس والمنقذ عم موسي ينظف مياهه !!
وما زالت كبائن هيلتون الثلاث والثلاثون تستقبل ذلك العالم الصغير من الشخصيات والأسر ؛ وما زالت أصوات الليل تتردد في مطعم حمام السباحة.
وما زال محمد فؤاد يغني وإيمان بحر درويش يغني بعد الفور إم !! وما زالت تلك السنوات بكل من عاشوا فيها تبدو لي وكأنها حدثت بالأمس.
وما الذي يبقى؟
كلما عدت بذاكرتي إلى تلك السنوات لا أبحث فقط عن أسماء المشاهير أو الشخصيات التي كانت تملأ المكان.
لا أبحث عن الفندق كما كان ولا عن حمام السباحة ولا عن الكبائن الثلاث والثلاثين ؛ إنما أبحث عن الأسرة.
عن أبي وأمي.
عن إيهاب.
عن أشرف.
عن مائدة الغداء التي كانت تجمعنا وعن ذلك الشعور البسيط بالأمان حين كنا نظن أن كل شيء سيظل كما هو وربما كانت أجمل هدية منحتنا إياها الكابينة رقم 30 أنها لم تجمعنا فقط في مكان واحد وإنما حفظت لنا صورة كاملة لمرحلة من العمر ؛ مرحلة كان فيها الأحبة جميعًا قريبين ؛ وكان الصيف طويلًا، وكانت الأيام تبدو بلا نهاية.
واليوم حين أستعيد كل ذلك أدرك أن الإنسان لا يعرف قيمة بعض اللحظات إلا بعدما تصبح ذكرى ؛ ففي وقتها كنا نعيشها أما الآن، فنحن نشتاق إليها ولهذا إذا كان لي أن أعود ذات صباح إلى ذلك الزمن فلن أطلب شيئًا كبيرًا ولن أطلب تغييرًا في الماضي بل سأطلب فقط أن أفتح باب الكابينة رقم 30 مرة أخرى لأرى أمي وأسمع صوت إيهاب وأن أجد أشرف إلى جواري يرشدني مثل الماضي وأن أرى أبي يدخل من الباب في الظهيرة يبتسم لنا ويجلس إلى مائدة الغداء، ثم يقول إنه سيأخذ قسطًا من النوم قبل أن يعود إلى عمله مع الرئيس رحمه الله ..
سأجلس هناك دون أن أغير شيئًا فبعض الذكريات لا نريد إصلاحها بل نريد فقط أن نعيشها مرة أخرى ..
كانت الكابينة رقم 30 مجرد كابينة في هيلتون النيل لكنها بالنسبة لنا كانت وطنًا صغيرًا من الفرح… وحين انتهى الصيف بقي الوطن في القلب وكأن كل صيف بعد العام ٢٠٠٠ صيف بلا روح !!