استوقفتني في اعترافات المتهم بقتل زوجته وابنته وأقاربه، والتي عُرفت إعلاميًا بـ "مذبحة 15 مايو"، عبارة قالها في تبرير جريمته البشعة، وهي أنه قتلهم دفعًا للصائل، أو ما يُعرف بـ "صد المعتدي"، وهي رخصة "إخوانية" للقتل، يستخدمها أفراد التنظيم الإرهابي، وتنظيمات فاشية أخرى، في تبرير جرائم القتل والاغتيالات لرجال الدولة والمؤسسات الأمنية، وإعطاء جرائمهم صبغة دينية باعتبار ذلك من الدين.
بخلاف التفاصيل الصعبة للجريمة، فإنها تنطوي، في تقديري، على ما هو أبعد من فعل جنائي مجرد؛ فهي تكشف عن تجرؤ على الدين الإسلامي نفسه، وعلى فكرة الدولة الحديثة ودولة القانون، وأنهم يسعون إلى هدم المرجعية التي تجعل الدولة صاحبة الحق في تطبيق القانون، وإحلال تصور آخر محلها، يعيد المجتمع إلى العصور المظلمة والتي كانت تُستباح فيها الجريمة متى أُسبغت عليها صبغة دينية.
وهذه ليست واقعة معزولة عن خطاب التطرف الذي تنتجه الجماعات المتطرفة على مواقع التواصل الاجتماعي، فجزء معتبر من هذا المحتوى يقوم على إعادة تشكيل الوعي الديني والاجتماعي على قاعدة الكراهية والتحريض، واستهداف المرأة والمسيحيين، وتقويض قيم المواطنة والتعايش، وصولًا إلى محاولة تصوير الدولة والقانون باعتبارهما عائقًا أمام "الحكم الشرعي" وفق تصور التنظيم وأتباعه.
ولعل الأخطر أن هذا الخطاب لا يتوقف عند الأشخاص المنتمين إلى التنظيم، وإنما يمتد عبر شبكات وحسابات ومنصات رقمية تتولى إعادة إنتاج الرسائل ذاتها، وتحويلها إلى حملات تشهير وتحريض وتنمر تستهدف كل من يخالف خطابهم المتطرف، وحتى طالبة الطب البطلة التي أسهمت في إنقاذ الناس خلال حادث "مول أرابيلا"، لم تنجُ من حملات الاستهداف على مواقع التواصل الاجتماعي بسبب مظهرها وأنها غير محجبة، وامتدت إليها ألسنة المتطرفين، في مشهد يكشف أننا أمام إصرار من التنظيم لفرض رؤيته المتطرفة على الدولة والمجتمع، وأنهم يجندون كل إمكانيتهم الرقمية لتنفيذ ذلك عبر محاصرة مرتادي مواقع التواصل بسرديتهم المتطرفة ضد كل جيد ولا ينتمي للتنظيم، فضلاً عن مهاجمة كل المسؤولين في مراكز صنع القرار والخوض في الأعراض دون ذرة رحمة.
وقد استخدم الإخوان ذلك التفسير المشوَّه للدين لتحريك عناصرهم الشابة ضد مؤسسات الدولة، وظهر ذلك في وثيقة تداولتها الجماعة عبر مواقع التواصل الاجتماعي تحت عنوان "دفع الصائل" خلال عامي 2013 و2014، لمواجهة قوات إنفاذ القانون، بعد تكفيرهم، وفق ذلك التصور المتطرف، باعتبارهم فئة ممتنعة عن تطبيق الشريعة، وبذلك تحول رجل الشرطة أو جندي إنفاذ القانون في نظر التنظيم الفاشي وأتباعه من موظف يؤدي وظيفة عامة في إطار دولة القانون إلى «صائل» وجب قتله.
وللحقيقة، فقد تصدى مرصد الأزهر لمكافحة التطرف لشرح وتفسير هذا المفهوم، حيث يُعرَّف الصائل في الشريعة الإسلامية بأنه المعتدي على غيره بغير حق، بقصد سفك دمه أو انتهاك عرضه أو سرقة ماله أو اغتصاب أرضه، وقد شرع الله للمعتدى عليه حق رد العدوان، ولو بلغ القتل، غير أن هذا الحق مقيد بضوابط دقيقة، توجب التدرج في وسائل الدفع، من النصح إلى التهديد إلى الضرب ثم القتل، بحسب طبيعة الاعتداء وخطورته، وليس باعتباره حقًا مطلقًا في إزهاق النفس.
وهنا يكمن الفارق الجوهري بين الدفاع المشروع عن النفس وبين الجريمة التي ترتدي ثوبًا دينيًا، فوجود دولة القانون يعني أن حق الفرد في الدفاع عن نفسه لا يتحول إلى سلطة مطلقة للقتل أو الانتقام، ولا يجوز أن يصبح كل شخص قاضيًا وجلادًا، وأن تطبيق العقوبات هو أمر من اختصاص الدولة حيث تحدد سلطتها القضائية الجريمة والعقاب، بينما يظل الدفاع عن النفس استثناءً تفرضه ضرورة الاعتداء المباشر، لا ذريعة لاستباحة الدماء خارج إطار القانون.
وجريمة 15 مايو المرعبة تفتح الباب أمام سؤال أكبر من الجريمة نفسها: كيف يمكن أن يصل الإنسان إلى مرحلة يرى فيها قتل أقرب الناس إليه فعلًا مشروعًا، ثم يبحث له عن غطاء ديني؟ إنها نتيجة خطيرة لتواجد ذلك الفكر الفاشي في المجتمع المصري واستقطابه لطلاب الجامعات وتحديدًا كليات القمة، فالمتهم درس الهندسة وانضم لأسرة التنظيم الإرهابي وانخرط في معسكراتهم، وفيها غرس التنظيم في عقله هو وغيره هذه الأفكار، كما تكتسب الجريمة بُعدًا أكثر خطورة مع اتجاه المتهم إلى شراء السلاح عبر الدارك ويب، وهو ما يضع علامة استفهام حول قدرة عناصر الإخوان الخاملة وغير النشطة في الوصول إلى سلاح وتنفيذ جرائم، أو بمعنى أكثر دقة: أن كل عنصر إخواني هو إرهابي محتمل ينتظر اللحظة المناسبة للقتل ثم استخدام مواقع التواصل لتبرئة نفسه، وأن هناك محاولة لتربية الأجيال الجديدة على تقبل مثل هذه الجرائم.
نحن لسنا أمام حالة فردية، بل تحرك يضع الأجيال الجديدة أمام حقيقة التنظيم الفاشي الذي يتابعون تحريض أتباعه على مواقع التواصل الاجتماعي ويستخدمون كل الحيل النفسية والأكاذيب من أجل دفعهم لإسقاط الدولة المصرية، تلك هي حقيقة التنظيم الذي يسعى لإعادة مصر إلى مربع الفوضى بعدما خرجت منه بشق الأنفس.
ولا غرابة في أن وحشية التنظيم امتدت لعناصره الهاربة نفسها، وإلى من يجرؤ منهم على مخالفة قياداته الرأي أو كشف ما يجري داخل التنظيم من أزمات وصراعات، وأن ذلك الخلاف والخروج على قادة التنظيم جريمة تستحق القتل.
وقد نشر الإخواني الهارب إلى تركيا، حسين عمار، المحكوم عليه بالإعدام في قضية اقتحام مركز شرطة كرداسة، مقاطع فيديو عبر حساباته على مواقع التواصل الاجتماعي تحدث فيها عن تعرض مسكنه للسرقة وترويع أسرته، وذهب في روايته إلى حد اتهام قيادات حركة ميدان الإرهابية التي يديرها الإرهابي الهارب يحيى موسى باستئجار عناصر من المافيا التركية لقتله واستهداف أسرته، وهذه الاتهامات تؤكد الوجه الدموي للتنظيم، وأن لا أمان لأحد حتى أتباعه.
وفي روايته، تحدث عمار كذلك عن وقائع سرقات قال إنها حدثت داخل ما يُعرف بـ "حركة ميدان"، ووجّه اتهامات محددة إلى محمد إلهامي وأحمد فريد مولانا وعبد الله الشريف، وإلى الإخواني محمود مليمان، رئيس ما يسمى مجلس إدارة جمعية الجالية المصرية في تركيا، باستئجار عناصر من المافيا التركية لترويعه وترويع آخرين، ممن تحدثوا علنًا، بحسب روايته، عن السرقات والفساد المالي والإداري داخل التنظيم، إلا أن الأخطر في هذه الرواية ليس فقط استخدام الجريمة المنظمة لإسكات الأصوات المعترضة، وإنما المفارقة التي تكشفها هي وجود عناصر إخوانية تعيش في ضيق وفقر في البلدان التي فروا إليها، بينما تتنعم قيادات التنظيم بأموال جُمعت تحت عناوين دعم التنظيم ومشروعه لإسقاط الدولة وتمويل أنشطته الإرهابية.
وهكذا يتحول مال التنظيم الإرهابي الحرام إلى اختبار كاشف لحقيقته؛ فالأموال التي يجمعها التنظيم لهدم الدولة المصرية تنتهي إلى امتيازات لقيادات التنظيم، ووسيلة لاستئجار عناصر إجرامية لترويع معارضيهم.
وهنا تتكرر مفارقة أخرى؛ فما يجري بين عناصر التنظيم في تركيا ليس منفصلًا عن الاتهامات المتبادلة بالفساد والسرقات التي ظهرت بين جبهتي تركيا ولندن والصراع الممتد حول أموال التنظيم وتربح قادته منها، وكأن التاريخ يعيد ترتيب المشهد بطريقته الساخرة: جماعة قالت إنها جاءت لتغيير الدولة والمجتمع، فإذا بعناصرها المعارضة تُهدد بالقتل وتمتد يد عناصرها لكل ما يصلها من أموال حرام هدفها الخراب والدمار.
ومع الأسف، يستمر تنظيم الإخوان الإرهابي في الحديث باسم الدين الإسلامي والتحريض على مصر بلاد الأزهر الشريف، الذي ظل عبر قرون أحد أهم منارات التعليم الديني في العالم الإسلامي، وأنه لن يتنازل عن حلمه في التمكين وتكرار تجربته الفاشلة في 2012، وهكذا يظل السؤال معلقًا: هل تحتاج مصر، بلد الأزهر الشريف، إلى تنظيمات مثل الإخوان أو مؤثرين على وسائل التواصل الاجتماعي تعلمهم الدين الإسلامي؟ أم أنها تحتاج إلى مواجهة قوية يقودها الأزهر الشريف ضد أولئك الذين يختطفون الدين، ويقدمون للشباب فهمًا مشوهًا له، ثم يستخدمونه في غسل العقول وممارسة القتل ضد كل من يخالفونهم برخصة إخوانية؟