عاجل

في زمنٍ كثرت فيه الشكوى، واشتدت فيه المقارنات، وأصبح الإنسان ينظر إلى ما في أيدي غيره أكثر مما ينظر إلى ما أنعم الله به عليه، صار الرضا عبادةً عظيمةً لا يعرف قدرها إلا من ذاق حلاوتها. وليس الرضا أن يستسلم الإنسان للواقع أو يتوقف عن السعي، كما أن الصبر ليس ضعفًا أو عجزًا بل هما قوةٌ إيمانية تجعل صاحبها ثابت القلب، مطمئن النفس، حسن الظن بربه، مهما تغيرت الأحوال.

يقول الله تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ ۗ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ 
هذه الآية تضع أمام المؤمن حقيقةً عظيمة: نحن لا نرى إلا ظاهر الأحداث، أما الله سبحانه فيعلم بداياتها ونهاياتها، ويعلم ما وراء الأقدار من حكمٍ ورحمةٍ وخير. فقد يحزن الإنسان على أمرٍ ظنه شرًا، ثم يكتشف بعد سنوات أنه كان بابًا إلى خيرٍ لم يكن يتوقعه.
والرضا لا يعني ألا نحزن؛ فالأنبياء والصالحون عرفوا الحزن، ولكنهم لم يعترضوا على قضاء الله. ولذلك قال النبي ﷺ: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن؛ إن أصابته سراء شكر، فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر، فكان خيرًا له».
فالمؤمن رابح في الحالتين: إذا أعطاه الله شكر، وإذا ابتلاه صبر. وهنا تظهر عظمة الصبر؛ فهو ليس مجرد احتمال للألم، وإنما هو ثباتٌ على الطاعة، وامتناعٌ عن المعصية، واحتسابٌ للأجر عند البلاء.
وقد وعد الله الصابرين وعدًا لا يعدله وعد، فقال سبحانه: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ .. تأمل قوله تعالى «بغير حساب» فالأجر على الصبر ليس له حد معلوم، لأن الله سبحانه هو الذي يتولى جزاء الصابرين.
والرضا يثمر في الدنيا قبل الآخرة فالإنسان الراضي لا يعيش أسيرًا لما فقد، ولا يفسد فرحته بما لم يحصل عليه، ولا يقضي عمره في سؤال: لماذا أنا؟ بل يقول بقلبٍ مطمئن: هذا قدر الله، وسأبذل ما أستطيع، وأحسن الظن بربي.
ومن أعظم ما يربي عليه الإسلام أن ننظر إلى النعم الموجودة قبل أن نتحسر على النعم المفقودة. قال تعالى: ﴿وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا﴾. فكم من نعمة نعيشها كل يوم ولا نشعر بقيمتها إلا حين نفقدها!
أما في الآخرة، فإن الصبر والرضا من أعظم أسباب الفوز. قال الله تعالى: ﴿وَجَزَاهُم بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيرًا﴾ فالصبر الذي قد يراه صاحبه اليوم مشقةً وتعبًا، قد يكون غدًا سببًا في جنةٍ عرضها السماوات والأرض.
ومن أجمل ما ينبغي أن يستقر في قلب المؤمن أن ما اختاره الله له خيرٌ مما يختاره لنفسه، حتى وإن لم يفهم الحكمة في لحظتها. قد تتأخر أمنية، وقد يغلق باب، وقد يفارقنا شخص، وقد تضيق بنا الحياة، لكن المؤمن يعلم أن تدبير الله أرحم من تدبيره لنفسه.
فيا من أثقله البلاء: اصبر. ويا من أرهقته المقارنات: ارضَ بما قسم الله لك واسعَ لما ينفعك. ويا من تأخر عنه ما يتمنى: لا تظن أن التأخير حرمان؛ فقد يكون إعدادًا لعطاءٍ أعظم.
فارضَ بقضاء الله، واصبر على قدره، واشكره على نعمه، واسعَ في حياتك دون سخطٍ أو يأس؛ فمن رضي فله الرضا، ومن صبر فله الأجر، ومن أحسن الظن بربه لم يخيّبه الله.

تم نسخ الرابط