لم يجعل الله الناس على درجة واحدة من القوة والقدرة المالية، وإنما اقتضت حكمته أن يتفاوتوا فى القدرات والأرزاق، ليتحقق عمران الحياة على التعاون وتبادل المنافع، وليكون هذا التفاوت ميدانًا للابتلاء والمسؤولية، وليس مبررًا للتعالى والتفاخر والظلم، قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ﴾. فلم يكن التفاوت فى المال والقوة والقدرة دليلًا على كرامة الإنسان أو هوانه، وإنما هو اختبار للطرفين؛ فالغنى يُختبر فيما أوتى: هل يشكر نعمة الله عليه ويؤدى حقها؟ والفقير ممتحن فيما أوتى: هل يصبر ويسعى ويحفظ كرامته؟ قال تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾.
وفى هذا التكافل وضحت السنة النبوية موقف المؤمن من أخيه المؤمن، فقيرًا كان أو غنيًا، ضعيفًا أو قويًا، قال صلى الله عليه وسلم: «المؤمن للمؤمن كالبنيان، يشد بعضه بعضًا»، وقال أيضًا: «الله فى عون العبد ما دام العبد فى عون أخيه». فالتعاون والتكافل من مكارم الأخلاق، وبهما تنتظم شؤون الناس وتتبادل المنافع والخبرات.
التأسيس الأخلاقى والمنظومة التشريعية للإحسان: يقوم الإحسان فى التصور الإسلامى على بناء الإنسان من داخله، ثم تنظيم علاقاته بالآخرين من خلال منظومة متكاملة من القيم والأحكام، فلا يكتفى الإسلام بأن يجعل الرحمة خلقًا محمودًا، وإنما يحولها إلى سلوك اجتماعى وواجب شرعى ونظام تكافلى يحفظ للإنسان كرامته ويصون المجتمع من التفكك والأنانية، وذلك من خلال المحاور الآتية:
أولًا: البناء الأخلاقى لمجتمع الإحسان: جعل الإسلام الرحمة والعطف وبذل المعروف وإغاثة الملهوف من دعائم المجتمع المتماسك، قال تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾، وقال صلى الله عليه وسلم: «مثل المؤمنين فى توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد». فالمجتمع المسلم يقوم على التراحم والتعاون، وشعور الغنى بحاجة الفقير والقوى بمسؤولية تجاه الضعيف.
ثانيًا: التشريع الاقتصادى للإحسان: أقام الإسلام بناءً تشريعيًا يضمن استمرار الخير والإحسان فى المجتمع، فمنه ما أوجبه الشرع كالزكاة والنفقات الواجبة، ومنه ما ندب إليه كالصدقة والوقف والهبة والهدية والإطعام، وبذلك جمع التشريع الإسلامى بين الإلزام الشرعى والتحفيز الأخلاقى.
ثالثًا: مكانة حق الفقير فى المال: جعل الإسلام الزكاة من أعظم الفرائض، وقرنها بالصلاة فى مواضع كثيرة، قال تعالى: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، فالزكاة ليست منّة ولا تفضلًا من الغنى على الفقير، وإنما هى حق وواجب شرعى مقرر.
رابعًا: الإحسان وصناعة المعروف: لم يجعل الإسلام علاقة الإنسان بأخيه محصورة فى أداء الفرائض، بل فتح أبوابًا أوسع للإحسان، قال تعالى: ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾، حتى يصبح البذل والعطاء ثقافة مجتمعية، لا مجرد استجابة مؤقتة لحاجة طارئة.
مع خالص تحياتى.