حين نتأمل مطلع الرسالة الخاتمة، ونظلل أرواحنا بفيضها الإشراقي الساحر وأسرارها العرفانية المنيفة، تتبادر إلى الوجدان تلك الصورة التاريخية المشرقة في الغار الأغر، حيث تجلى أمين الوحي الملكي بكلمة "اقرأ" على جسدٍ طاهر بلغ أربعين سنة قمرية من العمر الزمني، لتكتمل بذلك مرتبة البعثة والتشريع والتكليف الفعلي في عالم الشهادة والكون المادي المنظوظ، وهو عالم الأشباح والأجرام الذي يخضع لناموس الزمان والمكان والتطور الخارجي.
غير أن الوعي الفلسفي العميق، واليقظة العرفانية الرصينة، والتحرير الأصولي الدقيق، يأخذوننا جميعاً بمعارج البصيرة إلى أفق أقدم من الطين البشري وأعرق من الجبال العالية، وأسبق من نشأة الكون وطيّ السواتر والنجوم والأفلاك؛ فهذا الاصطفاء لم يكن وليد صدفة تاريخية عابرة أو حادثة طارئة على مسرح الإنسانية، بل هو خطة إلهية أزلية مدونة ومقضيّة، صرح بها الصادق المصدوق في خبره الأبدي، حيث كُتب وشُرّف بالاصطفاء في الملأ الأعلى قبل أن تُنفخ الروح في الأب الأول، وقبل أن يكتمل تشكيل هيكله المادي من صلصال الفخار المسنون. هذا الوجود المبكر يفتح أمام العقل بابا واسعاً فسيحاً لتفكيك دلالات الوجود التقديري والروحي بمناهج المعرفة البرهانية والعرفانية، مستحضرين العلل المقاصدية البليغة التي تُظهر حكمة الشارع الحكيم في ربط الأزل بالأبد، والشهادة بالغيب، ليكون فهمنا للنبوة منزهاً عن الجفاء والتفريط، وبعيداً عن الغلو والابتداع.
ولأن البناء المعرفي في صحة أنساقه يقوم على ضبط مدارك القول بدقة لا خلل فيها ولا نقصان؛ إذ إن الاعوجاج اللفظي يولد بالضرورة الاعوجاج الاعتقادي ويقود إلى التيه الفكري، فقد تتبعت عقول المحققين من أهل الحديث والنظر الألفاظ الثابتة الصحيحة في الأثر النبوي الشريف، متمثلة في قوله صلى الله عليه وسلم: (إني عند الله مكتوب خاتم النبيين وإن آدم لمنجدل في طينته)، وهي جملة حديثية شريفة تبين مرتبة التقدير الإلهي، وكذا قوله الأسمى: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد). وهذان النصان الكريمان يمثلان قطب الرحى الذي يدور حوله الجمع والتكامل المنهجي، لا التنازع والتعارض الوهمي، بعيداً عن الألفاظ المشتهرة التي قد لا تصح ولا تستقيم مع قواعد التنزيه والمنطق السليم.
وهنا يقف العقل أمام إشكال رصين ومعقد يتمثل في: كيف يستقيم إطلاق وصف "النبوة" -وهي في حقيقتها اصطلاحاً وشرعاً فعل تكليفي تشريعي يحتاج إلى مُرسل، ومُرسَل إليه، ولغة، وبلاغ، وأحكام، وتكاليف عملية- على ذات شريفة لم تلبس بعد عباءة الجسد البشري، في وقت لم يوجد فيه المكلفون أصلاً ولم تفتح المدارس التاريخية أبوابها للرسالات؟ هل هذا الوجود وجود اعتباري مجرد في علم الله الذاتي، أم هو حقيقة روحية وجودية متحققة بالفعل في عوالم الغيب المطلق؟
ولإزالة هذا الإشكال وضبط حدود المفاهيم بدقة متناهية، ينبغي أولاً تفكيك الاصطلاحات الوجودية والإبستمولوجية عبر التمييز الحاسم بين مراتب النور والظل، فـ "الوجود العلمي" هو الكشف الأزلي المحيط في علم الله الذي لا يتبدل ولا يتغير، و"الوجود التقديري" هو التدوين المكتوب في اللوح المحفوظ الذي تخطه أقدار الله تعالى، و"الوجود الروحي أو العيني" هو حقيقة الخلق الوجودي للأرواح في عالم الغيب قبل تركيب الأجساد المادية، و"الوجود الخارجي المادي" هو التجلي التاريخي الحسي في عالم الشهادة.
ولقد أمعن العلماء في معالجة هذه المعضلة عبر إرساء دعائم "فلسفة الزمن ومراتب الوجود" في التصور الإسلامي وتجلياتها الكبرى عند أساطين الحكمة والبرهان؛ فالأزل الإلهي ليس زمناً متطاولاً يخضع لخط السير التاريخي المعهود ولحركة الأفلاك، بل هو إحاطة إلهية مطلقة تتهاوى أمامها ثنائية الماضي والمستقبل البشري. وحين نستنطق حكماء الإسلام وأساطين الفلسفة والإشراق، نجد التأسيس لمفهوم الزمن باعتباره "مقدار حركة الفلك"، مفارقاً بعوالم السرمد والدهر أبعاد المادة الصرفة. وفي السياق ذاته، يُقدم المفتاح الفلسفي الأعظم لفك إشكالنا هذا عبر التقسيم الدقيق لمراتب الوجود والزمن؛ مميزاً بين الزمان (وهو مقدار الحركة والتغير المتعلق بالكون المادي والأجساد)، والدهر (وهو وعاء ثبات الجواهر المجردة والأرواح التي لا تخضع للتغير الحركي المادي)، والسرمد (وهو الخاص بذات الواجب سبحانه وتعالى). وبهذا التأسيس العميق، ندرك تماماً أن النور المحمدي لم يكن في عالم الأرواح محكوماً بزمان الأرض وحركتها، بل تنفس في مرتبة "الدهر" المجرد، مما يحل عَقْدَة كيف يكون نبياً وليس هناك بشر مادي، حيث تتجلى الأشياء بكامل حقائقها دون خضوع لتعقيدات الزمان والمكان الأرضي المحدود.
ويمضي حكماء الإشراق في التأكيد على هذه التراتبية عبر نظريات الفيض العقلاني، حيث تتقدم الحقيقة المعقولة والمجردة على الوجود المادي المحسوس، وتتطوى حجب الزمان والمكان لإطلاع الأصفياء على حقائق الغيب في حضرات الأرواح دون تقييد بقوانين الطبيعة الحركية، وصولاً إلى تقرير تدرج الوجود من البسائط والمادة الأولى صعوداً إلى النفوس المجردة استعداداً لفيض الأنوار، وصولاً إلى ثورة الحركة الجوهرية التي تقرر أن جوهر العالم في سيلان وتجدد وتطور مستمر نحو الكمال، وأن عوالم الغيب والأرواح تنتظم في سيلان وجودي مفارق لزماننا المحسوس.
ولتقريب هذه الحقائق الوجودية العميقة للعقول والمدارك، تتجلى الأمثلة التطبيقية والتمثيلات العينية الناطقة؛ فتماماً كالصانع أو المهندس العبقري الذي تتولد في عقده وفكره صورة القصر العظيم وأركانه (تمثيلاً للوجود العلمي)، ثم يخطط رسوماته الهندسية الدقيقة ويقيدها في السجلات والخرائط قبل وضع حجر أساس واحد في الواقع (تمثيلاً للوجود التقديري والدهري)، ثم يشهد الناس البناء المادي الشاخص بعد تمام العمل (تمثيلاً للوجود الخارجي المادي)، فكذلك شأن النبوة الكبرى؛ علمها وقدرها الله أزلاً، وأشرق روحها دهراً، ثم تجسد تشريعها عياناً في الغار. وكما تتقدم الشمس في كبد السماء بنورها وفيض شعاعها حقيقةً ورتبةً على ما تستقبله الكواكب من نور وإشراق، بل إن وجود تلك الكواكب وتألقها مدين بوجود ذلك النور الأزلي الصادر عن مبدئه، فكذلك كانت روح المصطفى صلى الله عليه وسلم هي المرتبة النورانية الأولى والفيض الأسبق الذي استمدت منه الأكوان عوالمها، فما الأنبياء إلا نجوم استمدت سناها من ذلك النور الأزلي المتقدم في عالم الأرواح والذر. وفي حضرة هذه العقول والأنوار، تتجلى الأشياء بكامل حقائقها دون خضوع لتعقيدات الزمان والمكان الأرضي المحدود، مما يفكك تماماً العقدة العقلية ويجعل إطلاق النبوة حقيقة واقعة في مرتبتها الخاصة، لا مجازاً محضاً ينافي الظاهر، ولا تناقضاً عقلياً يأباه البرهان.
من هنا، توزعت الأنظار العميقة لأعلام الأمة ومسارح عقولهم بين مسلكين برهانيين كبيرين؛ المسلك الأول هو مذهب "الوجود التقديري والعلمي"، والذي يرى أصحابه أن النبوة في ذلك الظرف الأزلي تعني "كتابتها وتقديرها وتدوينها" في اللوح المحفوظ، وإعلام الملائكة المقربين بها، وليس اتصافاً خارجياً فعلياً بالنبوة بمفهومها التكليفي في ذلك الوقت المتقدم. واستدلوا على ذلك بأدلة نصوصية وعقلية وأصولية متينة؛ فمن الناحية النصية استندوا إلى الرواية الحديثية المفسرة التي صرحت بالقول: (إني عند الله مكتوب خاتم النبيين)، ففسروا بناءً عليها قوله (كنت نبياً) بتقدير مضاف أو تأويل مجازي يفيد الكتابة في اللوح. ومن الناحية العقلية، قرروا أن النبوة وصفٌ حقيقي يقتضي إيحاءً إلهياً متجدداً، وتكليفاً تشريعياً، وأمةً تُبلَّغ وتستجيب، وهذا لا يتصور عقلاً ولا شرعاً إلا بعد الوجود البدني الخارجي للإنسان وبلوغ سن التكليف والنضج. ومن الناحية الأصولية، ذهبوا إلى أن لغة العرب والشرع تجيز إطلاق الاسم على الشيء بما سيؤول إليه، وهو ما يُعرف في بلاغة البيان بالمجاز المرسل. وتتجلى العلل المقاصدية لهذا الاتجاه في صيانة مفهوم التكليف الشرعي، وحفظ الحد الفاصل بين الذات الإلهية الخالقة المدبرة وبين ذوات المخلوقات المحدثة، ومنع أي نزوع نحو الغلو الذي قد يخرج الأنبياء عن بشريتهم المحضة وتكليفهم الواقعي المنوط بالاستطاعة والابتلاء.
وعلى الجانب المقابل، انبرت طائفة أخرى من كبار المحققين والعرفانيين والعلماء الرواسخ فأسسوا مذهب "الوجود الروحي والاتصاف الفعلي". ذهب هؤلاء الأعلام إلى أن الله سبحانه وتعالى خلق الأرواح قبل الأجساد بمدد لا يعلمه إلا هو، وأن روح نبينا محمد صلى الله عليه وسلم اتصفت بالنبوة والاصطفاء اتصافاً حقيقياً واقعياً في "عالم الأرواح"، وأُفيضت عليها الأنوار الإلهية والعلوم الربانية قبل خلق جسد الأب الأول بل وقبل نزول الروح فيه. واستدلوا على ذلك بأدلة لغوية ومنطقية وقرآنية راسخة؛ فأما الدليل اللغوي فهو التمسك بظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم: (كنت نبياً)، والأصل في الكلام الحقيقة ولا يُلجأ إلى المجاز إلا بدعوة قاطعة. وأما الحجة العقلية الكبرى، فهي ما يُعرف بـ "حجة الاختصاص"؛ إذ لو كان المراد بالحديث مجرد "الكتابة والتقدير العام" في اللوح المحفوظ، لَمَا كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ميزة أو اختصاص حقيقي يفرده بهذا الإخبار العجيب! لأن كل الأنبياء، بل وكل البشر، مكتوبون ومقدرة أعمالهم وآجالهم وأقدارهم في اللوح المحفوظ قبل خلق البشر أجمعين، فبماذا يختص النبي محمد صلى الله عليه وسلم إذاً؟! إن تخصيصه بالذكر الإعجازي يدل بوضوح على أمر زائد على مجرد التقدير المكتوب لكل أحد، وهو الاتصاف الروحي الفعلي والاصطفاء النوراني الخاص في عالم الأرواح. وأما الدليل القرآني، فاستندوا إلى آيات أخذ الميثاق العظيمة، وقرروا أن أخذ الميثاق والعهد الرباني قد تم بفاعلية وحضور في عالم الذر (عالم الأرواح)، ولا يُؤخذ الميثاق الحقيقي إلا ممن هو مُدرك وعاقل ومخاطب، مما يثبت وجوداً روحياً واعياً فريداً للنبي صلى الله عليه وسلم وللأنبياء من قبله. وتتجسد العلل المقاصدية وراء هذا المسلك في بيان عظم المكانة والمنزلة المحمدية، وتعظيم شعور المؤمن بالصلة الروحية العميقة التي تربط الوجود الإنساني بأكمله بنور النبوة، وإبراز حكمة السبق الإلهي في تهيئة الكون لاستقبال الخاتم الأعظم قبل أن تنبت الأرض بذورها أو يتحرك الزمان في دواليبه.
وهنا يبرز التطبيق العملي للجمع بين هذين المسلكين، حيث يتجسد المنهج العلمي الرصين في ضرورة الجمع بين الروايات والأدلة دون إلغاء أو تعطيل؛ فالرواية الأولى بلفظ "مكتوب" تثبت الوجود التقديري والعلمي في أزلية التدبير الإلهي، والرواية الثانية بلفظ "كنت نبياً" تثبت الوجود الروحي والفيض الوجودي الفعلي. وحين ندمج هذين الأفقين، ندرك تماماً أنه لا تعارض ولا تناقض بينهما؛ فالله سبحانه وتعالى كتب نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وقدرها في اللوح المحفوظ أزلاً، ثم لما خلق الأرواح ورتب عوالم الغيب قبل الأجساد، أفاض على روح نبيه الشريف سر النبوة والوعي بها تشريفاً واصطفاءً لا تكليفاً وتشريعاً، فلما تكاملت أدوار الوجود وخلق الله جسده الشريف وبُعث في سن الأربعين على الأرض، نزل عليه الوحي الحسي العياني لتبدأ مرحلة التكليف والتبليغ والتشريع للناس أجمعين.
ولكي يكتمل البناء المعرفي لهذا الموضوع في ذهن السالك والباحث، كان لزاماً أن نتأمل البعد المقاصدي التربوي والأثر العملي المترتب على هذا الاعتقاد في حياة المؤمن المعاصر. إن إدراكنا لكون نبينا المصطفى صلى الله عليه وسلم لم يكن طارئاً على صفحة الوجود، بل كان إشراقه الأبدي مدوناً في الملأ الأعلى ومحفوفاً بالفيض الروحي المتقدم، ينعكس مباشرة على سلوك المكلف ووجدانه؛ فهو يورث في القلب كمال التوقير، وعمق المحبة، وحسن الاتباع المطلق، ويقين بأن الشريعة المحمدية الغراء ليست مجرد تشريعات أرضية عابرة، بل هي مركز الكون وغايته الكبرى، مما يعزز الهوية الإيمانية الراسخة في مواجهة التشكيك الحداثي والتيارات الفكرية الوافدة. وحين تشرق هذه المعارف في قلب المؤمن، فإنه يرى في كل تفصيلة من سيرته الكريمة امتداداً لنور أزلي أراد الله به أن يخرج البشرية جمعاء من ظلمات التيه إلى رحاب الهداية واليقين.
وهكذا، نخلص متأملين في خلاصة هذه الرحلة البرهانية المانعة للجمع والافتراق إلى تقديم رؤية معرفية متكاملة ترضي العقل البرهاني، وتطمئن القلب العرفاني، وتستقيم تماماً مع النص الشرعي الصحيح، مستشعرين أن هذا السبق الأبدي والروحي لم يكن مجرد تشريف ذاتي محض، بل كان "رحمة تكوينية كبرى" شملت الوجود بأسره؛ فبوجوده المعنوي الأزلي تهيأت السماوات والأرض لاستقبال معاني الهداية، لتتحقق الآية الكبرى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، وليكون الكون كله مديناً في نظامه ونوره وإشراقه لهذا النور الأزلي الذي انشق عنه فجر الوجود.
وحين نتأمل تجليات هذه الحقيقة، تتجلى أمام البصيرة مراتب النور والظل في سيمفونية وجودية ناطقة؛ فأولها في الأزل المحيط وجود علمي تقديري أزلي تمثل في خبر الصادق المصدوق بأنه في علم الله مكتوب خاتم النبيين، حيث أحاط علم الله الأبدي بكل مقادير الخلائق قبل كونها، وثانيها في البرزخ وعالم الأرواح وجود روحي إشراقي اتصالي تمثل في قوله عليه الصلاة والسلام: (كنت نبياً وآدم بين الروح والجسد)، حيث أُفيضت الأنوار والعلوم على روحه الشريفة تشريفاً واصطفاءً لا تكليفاً، وثالثها في الشهادة والتاريخ وجود مادي تشريعي عياني تمثل في البعثة الكبرى في الغار على رأس الأربعين من عمره الشريف، حيث اكتملت رسالة البلاغ والتشريع للإنسانية جمعاء.
فكأن الوجود بأسره شمس ضحاها، والبرايا نجومها وزهرها، فمن مشكاة ذلك النور الأزلي استبانت المناهج، وتألقت في سماء المجد معارج، فما الكون إلا مرآة لتلك الأنوار، وما الحياة سوى ومضة من تلكم الأسرار؛ ليكون الكون كله مديناً في نظامه ونوره وإشراقه لذلك الفيض الأبدي الذي انشق عنه فجر الحياة، محققاً تمام المعنى وبلاغ التمني في قوله الحكيم: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، فسلامٌ على النور يوم أشرق في غيب الأزل، وسلامٌ عليه يوم تجلى في روح الأبد، وسلامٌ عليه يوم بعث رحمةً مهداةً تضيء ظلمات الدجى إلى أبد الآبدين.