"داوني بالتي كانت هي الداء".. فرنسا تستعين بالهاكرز لحماية أنظمتها من القراصنة
تتجه فرنسا إلى توسيع اعتمادها على الهاكرز الأخلاقيين وبرامج مكافآت اكتشاف الثغرات، في محاولة لتعزيز دفاعاتها الرقمية واكتشاف نقاط الضعف في الأنظمة الحكومية قبل أن يستغلها القراصنة، في سياسة تجسد مقولة: “داوني بالتي كانت هي الداء”.
ويأتي التحرك الفرنسي بعد سلسلة من الهجمات الإلكترونية التي استهدفت المديرية العامة للمالية العامة، مما دفع الحكومة إلى طرح حزمة من الإجراءات العاجلة لتعزيز الأمن السيبراني.
فرنسا تستعين بالهاكرز الأخلاقيين
ووفقًا لتقرير لصحيفة “لوفيجارو” الفرنسية، عرض وزير العمل العام والحسابات ديفيد أميل، هذا الأسبوع، عددًا من الإجراءات لمواجهة التهديدات الإلكترونية، من بينها توسيع استخدام المصادقة الثنائية، وتوظيف الذكاء الاصطناعي في حماية الأنظمة، إلى جانب زيادة الاعتماد على برامج مكافآت اكتشاف الثغرات الأمنية.

وتقوم هذه البرامج على تقديم مكافآت مالية لخبراء الأمن السيبراني الذين يكتشفون نقاط ضعف في الأنظمة الرقمية ويبلغون الجهات المسؤولة عنها، بدلًا من استغلال تلك الثغرات أو بيعها في الأسواق غير المشروعة.
وتستخدم الحكومة الفرنسية بالفعل أساليب القرصنة الأخلاقية في عدد من الجهات، بينها وزارة القوات المسلحة ومؤسسة “فرانس كونكت” والمديرية العامة للمالية العامة.
ويعرف الخبراء المشاركون في هذه البرامج باسم “القبعات البيضاء”، وهم متخصصون يستخدمون تقنيات الاختراق لاختبار الأنظمة الأمنية والكشف عن نقاط الضعف قبل وصولها إلى القراصنة.
مكافآت لمنافسة السوق السوداء
ولا يعتمد هذا النموذج على العمل التطوعي في أغلب الحالات، إذ تحتاج الحكومات والشركات إلى تقديم مكافآت مالية جذابة لاستقطاب الباحثين الأمنيين، خاصة مع وجود سوق سوداء يمكن أن تحقق فيها بعض الثغرات عوائد مرتفعة.
وتتبنى شركات التكنولوجيا الكبرى برامج مماثلة على نطاق واسع؛ إذ دفعت “جوجل” خلال عام 2025 نحو 17 مليون دولار لأكثر من 700 خبير أمن سيبراني حول العالم، بزيادة قدرها 40% مقارنة بالعام السابق.
كما دفعت “أبل” أكثر من 35 مليون دولار لأكثر من 800 باحث أمني بين عامي 2019 و2025، فيما تقدم “مايكروسوفت” مكافآت تصل إلى 250 ألف دولار لاكتشاف بعض الثغرات.
وتسعى هذه البرامج إلى إبقاء الباحثين الأمنيين في الجانب الدفاعي، بحيث يتم توجيه خبراتهم إلى حماية الأنظمة بدلًا من استغلال الثغرات أو بيعها لجهات أخرى.
تجربة فرنسية تتوسع
ويطرح التوجه الفرنسي تساؤلًا حول قدرة الحكومة على تقديم مكافآت تضاهي ما تعرضه شركات التكنولوجيا الكبرى لجذب أفضل المتخصصين في الأمن السيبراني.

وخلال عام 2025، عزز برنامج «beta.gouv.fr» الفرنسي جهوده في مجال مكافآت اكتشاف الثغرات بالتعاون مع شركة «YesWeHack»، وأسفرت البرامج عن الإبلاغ عن 48 ثغرة أمنية في نحو 30 خدمة، بزيادة بلغت 110%.
كما ارتفعت قيمة المكافآت المدفوعة إلى 6925 يورو، بزيادة وصلت إلى 89% خلال العام نفسه.
ورغم محدودية هذه الأرقام مقارنة بمكافآت عمالقة التكنولوجيا، فإن فلسفة هذا النموذج تختصرها منصة «YesWeHack» في شعار: “ادفع مكافأة، لا فدية”.
الذكاء الاصطناعي يغير قواعد اللعبة
ولا يخلو الاعتماد على برامج مكافآت الثغرات من تحديات، أبرزها التطور السريع للذكاء الاصطناعي، الذي أصبح قادرًا على تسريع عمليات البحث عن نقاط الضعف، لكنه في الوقت ذاته يمنح المهاجمين أدوات أكثر تطورًا لتنفيذ الهجمات.
وكان الوزير ديفيد أميل قد أعلن توجهه نحو تطوير ذكاء اصطناعي سيادي للدفاع، بالتزامن مع تنامي استخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي في مجال الأمن السيبراني.

ولا تكمن المشكلة في اكتشاف الثغرات فقط، بل تمتد إلى القدرة على التمييز بين الثغرات الحقيقية والتقارير غير الدقيقة، مع تزايد البلاغات التي تفتقر إلى معلومات مفيدة أو تشير إلى مشكلات غير حقيقية.
ودفع ذلك بعض الشركات إلى إعادة النظر في برامجها؛ إذ علقت منصة “HackerOne” تمويل برنامج مكافآت اكتشاف الثغرات عبر الإنترنت، كما أوقفت “جوجل” في مارس الماضي برنامجها الخاص بالثغرات في البرمجيات مفتوحة المصدر، بسبب تدفق تقارير غير دقيقة أو قليلة الفائدة.
وهكذا تواجه فرنسا معادلة جديدة في حربها الرقمية: الاستعانة بالهاكرز لاكتشاف الثغرات قبل القراصنة، مع تقديم حوافز كافية لاستقطاب الخبراء، في وقت أصبح فيه الذكاء الاصطناعي قادرًا على تسريع أدوات الهجوم والدفاع معًا.



