لم يكن ديسمبر 1994 سوى شهرًا عاديًا في الشرق الاوسط وتحديدًا في مصر، لكن في كوكب اليابان الشقيق كان ثمة ما يمكن وصفه بتأسيس لواحدة من أهم الصناعات العالمية خلال العقدين الأخيرين، وببساطة لأن في هذا الشهر بالتحديد أطلقت شركة سوني جهازها "PlayStation 1" الذي جسد تغييرًا جذريًا في عالم الألعاب الإلكترونية كونه أول جهاز يستخدم الرسوم ثلاثية الأبعاد "3D" بد أن كان السائد هو الرسوم الثنائية الأبعاد2D.
بهذا الجهاز غزت شركة سوني العالم حيث سجلت المبيعات 102.9 مليون جهاز مباع حول العالم طوال فترة عمره محققًا رقم قياسي، كما تم إصدار أكثر من 4 آلاف لعبة للجهاز بيع منها ما يقارب 962 مليون نسخة، لكن الأهم أن هذا الجهاز تحول لظاهرة ثقافية حيث كان يمكنك مشاهدة نفس اللعبة في حواري القاهرة والجيزة وفي دروب مدريد ولندن وباريس دون أي تغيير.
زلزال سوني الذي نتج عنه سوق جديد سرعان ما تبلور بداية من عام 2000 حين ظهرت الملامح التأسيسية لسوق الألعاب الإلكترونية الذي قفزت إيرادته وقتها إلى 43 مليار دولار قبل أن تصل إلى 57 مليار دولار بحلول 2005، وقاد هذا الانفجار الاستثماري 3 دول رئيسية تولت مهمة تحقيق الأرباح، أولهم اليابان التي سيطرت على المنصات المنزلية والولايات المتحدة التي قادت ثورة ألعاب الحاسب والإنترنت ثم كوريا الجنوبية التي أسست للمقاهي الرقمية والألعاب الـ"أون لاين".
مكاسب هذا السوق أغرت شركات عملاقة لإعادة ترتيب أوراقها مثل Microsoft التي دخلت الحلبة بجهاز Xbox وشركات إلكترونيك آرتس وكونامي وروكستار الذين طوروا الأمر لميزانيات إنتاج ضخمة تضاهي هوليوود في ألعاب سلاسل كرة القدم والحروب.
كل هذا التطور لم يصل إلى الدول العربية إلا 2008 حين انتبهت الإمارات التي لم تكن تقدر على التصنيع والبرمجة، لكنها عملت على استقطاب الشركات الكبرى لتفتتح مقرات لها في دبي وأبو ظبي وجهزت مناطقها ببنية تحتية رقمية وتشريعية قادرة على استيعاب عمالقة الترفيه، وتصرفت الدولة آنذاك باعتبارها مركز لوجستي واستراتيجي ونجحت في أن تضم مقرات إقليمية لكبرى الشركات مثل سوني و Ubisoft كما أطلقت مناطق حرة مخصصة للإعلانات والتقنيات الرقمية، وأثمرت تلك الرؤية المبكرة عن عوائد استثمارية ضخمة كسرت حاجز الـ120 مليون دولار بحلول عام 2010.
نجاح الإمارات أغرى السعودية إلى الدخول بقوة عبر رؤية 2030 إذ لم تكتفي المملكة بأن تكون مركز لوجستي جديد بل قررت امتلاك حصص ومفاتيح اللعبة من خلال تأسيس مجموعة سافي للالعاب الإلكترونية وضخ استثمارات مرعبة بلغت 38 مليار دولار نجحت من خلالها في الاستحواذ على
أكبر شركات تنظيم بطولات الـ إEsports في العالم، وشراء حصص مؤثرة في عمالقة الصناعة مثل "نينتندو" و"إلكترونيك آرتس"، ولم يتوقف النفوذ السعودي عند ضخ الأموال في الخارج، بل تحولت العاصمة الرياض رسمياً إلى معقل لـ "الجيمرز" ومركز القيادة الجديد للصناعة عبر استضافة "كأس العالم للرياضات الإلكترونية" بأضخم جوائز في تاريخ القطاع تخطت 60 مليون دولار، لتنقل اللاعب العربي من مجرد رقم على هامش الخريطة الاستهلاكية، إلى شريك أصيل وصانع لقرار هذا السوق الملياري.
تلك الأرقام تضاعفت بعد إعلان التايمز منذ أيام أن سوق الألعاب الإلكترونية العالمي حقق إيرادات 201.6 مليار دولار بنمو سنوي 9.1% لتتجاوز بذلك ضعف إيرادات السينما وصناعة المزيكا إذ لم يتخطيا الاثنان معًا 75 مليار دولار، وأمام هذا الإعصار الرقمي لا يمكن قراءة المشهد دون التوقف امام مصر التي تمتلك أكبر قاعدة مستخدمين تتجاوز 40 مليون لاعب نشط خاصة على الهواتف الذكية.
في 2003 انتبهت مصر إلى ما يحدث وأسست الاتحاد المصري للألعاب الإلكترونية كجهة تابعة لوزارة الشباب والرياضة لكن منذ تلك اللحظة لم تفعل الكثير واكتفت بالمشاركة في بعض البطولات العالمية وتنظيم بطولات محلية، والسؤال الآن كيف تشارك مصر في واحد من أكبر الأسواق العالمية ربحية، والإجابة ليست بالصعبة إذ مطلوب الآن أن تتحرك القاهرة أسرع فتطلق حاضنات أعمال وصناديق تمويل استثمارية مخصصة فقط لدعم استوديوهات الألعاب لتمكينها من إنتاج ألعاب ذات هوية وثقافة محلية قادرة على المنفسة، بالإضافة إلى التوسع في إدراج تخصصات تطوير وتصميم الألعاب الإلكترونية داخل الجامعات المصرية بالشراكة مع المعاهد العالمية لضخ دماء احترافية في السوق بانتظام.
والأهم تقديم تسهيلات وإعفاءات ضريبية للشركات العالمية وتوفير بيئة إنتاج برمجية منخفضة التكلفة لتدشين فروع تطوير واستوديوهات صناعة تابعة لها خاصة في المدن ذات البنية الرقمية القوية مثل العاصمة الإدارية، تلك خطوات لن تجعل مصر عظيمة في هذا المجال لكنها بداية تضع من خلالها مصر قدمها وهذا هو الأهم.