هناك لحظات لا يجوز فيها أن يمر الكلام مرور العابر، ولا أن تُعامل الاتهامات الخطيرة باعتبارها مجرد "خناقة كروية" بين أطراف متنازعة على النفوذ داخل نادي جماهيري.
ما يجري في الزمالك تجاوز حدود الخلاف الرياضي والإداري، بعدما خرجت اتهامات صريحة تتحدث عن "عصابة" كانت تدير ملف كرة القدم داخل النادي، بل إن ممدوح عباس، الرئيس الشرفي للزمالك، ذهب إلى ما هو أبعد من ذلك، عندما تحدث عن ضرورة المحاسبة الجنائية لمن يرى أنهم أضروا بالنادي وأمواله وملف محترفيه.
والأمر لا يتوقف عند ممدوح عباس؛ فقد استخدم أحمد حسام ميدو، نجم الزمالك وعضو لجنة الاستثمار السابق بالنادي، توصيفًا مماثلًا في حديثه عن المجموعة التي كانت تدير بعض ملفات الكرة.
هنا يجب أن نتوقف.
ليس دفاعًا عن أحد، ولا اتهامًا لأحد، وإنما دفاعًا عن اسم الزمالك نفسه.
كلمة "عصابة" ليست وصفًا عابرًا يمكن إطلاقه في الهواء. إنها توصيف يحمل دلالة جنائية وأخلاقية بالغة الخطورة، وعندما يخرج من شخصيات لها وزنها وتاريخها داخل النادي، فإنها تصبح اتهامًا عامًا يطال كل من مر على ملف الكرة خلال السنوات الماضية، ويضع علامات استفهام فوق أسماء وقرارات وتعاقدات وأموال وصفقات.
فإذا كانت هناك عصابة بالفعل، فأين الأدلة؟
ومن هم أفرادها؟
وماذا فعلوا؟
وكم خسر الزمالك بسببهم؟
ومن سمح لهم بالعمل؟
ومن استفاد؟
وما طبيعة العقود والصفقات التي يقال إنها أضرت بالنادي أو بالمحترفين؟
وإذا كانت الاتهامات بلا أدلة، فمن حق الرأي العام أن يعرف أيضًا لماذا يُترك أشخاص وسمعتهم معلقة في الهواء بتوصيفات تصل إلى حد التجريم؟
القضية إذن ليست في أن يصدق جمهور الزمالك هذا الطرف أو ذاك، وإنما في أن هناك حقيقة غائبة يجب أن تظهر.
والأغرب أن كل ذلك يجري أمام الجهة الإدارية المختصة، ووزارة الشباب والرياضة التي يتولاها الوزير جوهر نبيل، وهي الجهة المعنية بالرقابة الإدارية على الهيئات الرياضية، وحماية حقوق الجمعية العمومية وفقًا للقانون واللوائح.
فماذا تنتظر الوزارة؟
لماذا لا يكون هناك تحقيق إداري واضح، لا يستهدف أحدًا ولا يحمي أحدًا؟
تحقيق يضع الجميع أمام مسؤولياتهم، ويفحص الملفات التي أثيرت حولها الاتهامات، ويحدد أين الحقيقة وأين الادعاء.
إما أن تثبت الوقائع صحة ما قيل، فتتم محاسبة من تثبت مسؤوليته، وإما أن يتبين عدم صحة هذه الاتهامات، فتتم محاسبة من أطلقها بلا دليل.
أما أن يظل "العار" معلقًا فوق رأس الزمالك، فهذا هو الظلم بعينه.
فالزمالك ليس ملكًا لممدوح عباس، ولا لحسين لبيب، ولا لميدو، ولا لأي مجلس إدارة أو مدير كرة أو مستثمر محتمل. الزمالك ملك لجمعيته العمومية وجماهيره وتاريخه، والدولة مؤتمنة على حماية الإطار القانوني الذي تُدار داخله هذه المؤسسة الجماهيرية.
والقضية تصبح أكثر حساسية الآن مع ملف شركة الكرة.
فالزمالك أعلن بالفعل المضي في تأسيس شركة لكرة القدم، وأكد أن هناك عروضًا استثمارية قيد الدراسة، بينما ترددت معلومات عن عروض تمنح مستثمرين نسبة تصل إلى 60% من الشركة، وهو ما أثار تحفظات داخل النادي بشأن حق الإدارة والسيطرة.
وهنا يصبح السؤال مشروعًا: هل نحن أمام عملية استثمار حقيقية ومدروسة لإنقاذ كرة القدم في الزمالك وتطويرها، أم أن الأزمات المتراكمة والديون والإيقافات والنزاعات يمكن أن تتحول إلى مدخل لفرض مسار استثماري بعينه؟
لا أقول إن هناك مؤامرة، ولا أقول إن هناك "طبخة فاسدة".
لكنني أقول إن كثرة الدخان تستوجب البحث عن مصدر النار، لا الاكتفاء بالقول إن كل شيء تحت السيطرة.
فإذا كانت هناك اتهامات بتحريض لاعبين على التمرد، أو التسبب في أزمات تعاقدية، أو تحميل النادي غرامات ومديونيات وإيقافات، أو استخدام الأزمات لتكبيل قراره ثم دفعه إلى مسار محدد في شركة الكرة، فهذه ليست حكايات مقاهي ولا مادة للبرامج الرياضية.
هذه ملفات يجب أن تُفتح.
كرة القدم في مصر ليست مجرد تسعين دقيقة. الأهلي والزمالك يتحكمان في مزاج ملايين المصريين، وما يحدث داخل الناديين يتجاوز حدود الرياضة إلى المجال العام.
ولهذا فإن كرة القدم، في أندية بحجم الأهلي والزمالك، ليست ملفًا يجوز العبث به أو تركه رهينة لصراعات الأشخاص ومراكز القوى.
والسؤال الآن إلى الوزير جوهر نبيل، وليس باعتباره طرفًا في الأزمة وإنما باعتباره المسؤول عن الجهة الإدارية:
متى تفتح الوزارة الملف؟
نريد لجنة فحص مستقلة، وحقائق موثقة، وأوراقًا تُراجع، وحسابات تُدقق، وعقودًا تُفحص، ومسؤوليات تُحدد.
لا نريد إدانة مسبقة، ولا تبرئة مسبقة.
نريد فقط الحقيقة.
فإذا كانت هناك "عصابة" - كما يقول أصحاب الاتهامات - فليكن القانون هو الذي يحدد أسماءها وجرائمها.
وإذا لم تكن هناك عصابة، فليكن القانون أيضًا هو الذي يوقف هذه الاتهامات عند حدودها.
أما أن يظل الزمالك بين اتهام يلطخ ثوبه الأبيض، وصمت إداري يترك علامات الاستفهام تتكاثر، وبين شركة كرة يجري إعدادها في ظل أزمات مالية وإدارية متراكمة، فذلك هو السيناريو الأسوأ لنادي بحجم الزمالك.
يا معالي الوزير.. لا تكن شاهد ما شافش حاجة، فأنت شاهد على كل حاجة!