عاجل

الأوقاف تنشر بحثاً حول "جوامع الكلم" النبوي.. وتؤكد: إعجاز بياني خالد

 وزارة الأوقاف
وزارة الأوقاف

نشرت وزارة الأوقاف، بحثاً جديداً بعنوان "دلالات جوامع الكلم عند النبي ﷺ"، أعده الدكتور أحمد نبوي، الأمين العام للمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، تناول فيه خصائص البيان النبوي وجوامع الكلم التي أوتيها النبي، واصفاً إياها بأنها معجزة بيانية خالدة يتعانق فيها الإيجاز مع الإعجاز.

وأكد الباحث في بداية البحث أن جوامع الكلم في حديث النبي مظهر من أبهى مظاهر البيان النبوي، حيث اجتمع في الكلمة القليلة من سعة المعنى وعمق الدلالة ما يعجز عنه كثير من الكلام، مشيراً إلى أن اختص الله النبي بخصائص لم يجمعها لغيره، حتى قال مفتخراً بنعمة ربه: "أعطيت جوامع الكلم".

وأوضح الدكتور نبوي أن جوامع الكلم سر من أسرار النبوة وآية من آيات الوحي، تتجلى فيها القدرة الإلهية على جمع المعاني المتكاثرة في الألفاظ المتناهية في الإيجاز، حتى تغدو الكلمة الواحدة بحراً زاخراً بالهدايات والأحكام والآداب، مشيراً إلى أن حديثه الشريف ليس صناعة متكلفة ولا ملكة مكتسبة، وإنما هو نور الوحي ولسان النبوة.

واستعرض البحث نماذج من جوامع الكلم النبوي، بدأها بحديث "المرء مع من أحب"، وهي أربع كلمات قصار نسجت رابطة لا تنفصم بين المحبة والمصير، وحديث "لا خير في صحبة من لا يرى لك ما ترى له" الذي جعل ميزان الصحبة الصادقة قائماً على تبادل الود وصدق النصح، وقوله "الناس معادن" التي تستعير من عالم المعادن صورة بديعة تدل على تفاوت النفوس في الشرف والصفاء.

وفي باب المشورة، استعرض الباحث الحديث النبوي "المستشار مؤتمن، وهو بالخيار ما لم يتكلم"، الذي جمع في ألفاظ معدودة حقوق المستشير وواجبات المستشار، وأقام المشورة على أساس الأمانة والإخلاص.

وتناول البحث حديث "فليقل خيراً أو ليصمت"، وحديث "رحم الله عبداً قال خيراً فغنم أو سكت فسلم"، حيث اختصر النبي أدب اللسان كله، فجعل مدار النجاة على أمرين لا ثالث لهما: قول الخير أو الصمت عن الشر.

كما أشار إلى حديث "أسلم تسلم.. وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين" الذي لخص حقيقة الدعوة في أوجز لفظ وأبلغه، وحديث النبي في وصف رجل "لعله كان يتكلم بما لا يعنيه ويبخل بما لا يغنيه" الذي كشف بأربع كلمات عن أصلين من أصول الهلاك: إطلاق اللسان فيما لا ينفع، والشح بما لا يعود على صاحبه بخير.

ومن جوامع الكلم التي انتظمت أصول الآداب الاجتماعية والاقتصادية والأسرية، استعرض البحث حديث "إن الله كره لكم: قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال، وحرم عليكم منع وهات، وعقوق الأمهات، ووأد البنات"، مبيناً أن هذا الحديث جمع أمهات الرذائل التي تفسد الألسنة والعقول والأموال والأرحام والمجتمعات، فجاء كأنه دستور أخلاقي متكامل.

كما تطرق البحث إلى حديث "اتق الله حيث كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن"، الذي انتظم أصول السلوك الإيماني في ثلاث وصايا: علاقة العبد بربه، وعلاقته بنفسه، وعلاقته بالناس، حتى قال العلماء: لو لم يرد في مكارم الأخلاق إلا هذا الحديث لكفى.

ولم يغفل الباحث جانب الحزم وفقه التجربة، مستعرضاً حديث "لا يلدغ المؤمن من جحر واحد مرتين" الذي جعل التجربة معلمًا والاعتبار منهجاً، وحديث "السعيد من وُعظ بغيره" الذي بيّن أن أكمل الناس عقلاً من اكتفى بعبرة غيره عن تجربة نفسه.

وخلص البحث إلى أن جوامع الكلم في الحديث النبوي تبقى معجزة بيانية خالدة يتعانق فيها الإيجاز مع الإعجاز، وتأتلف فيها الفصاحة مع الحكمة، فيفيض اللفظ القليل بمعانٍ لا تستوعبها المطولات، وتنبثق من العبارة اليسيرة قواعد تشريعية وتربوية وأخلاقية تظل صالحة لكل زمان ومكان، مصداقاً لقوله تعالى: "وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى".

تم نسخ الرابط