في كل نقاش جاد حول قطاع البترول والطاقة، يظل النقد حقًا أصيلًا ومشروعًا، بل وضرورة لتحسين الأداء وتصحيح المسار. لكن ممارسة هذا الحق تفترض أولًا احترام طبيعة التخصص، والتمييز بين إبداء الرأي الاقتصادي العام وبين إصدار أحكام فنية على صناعة شديدة التعقيد.
المشكلة ليست في أن يتحدث الاقتصادي عن البترول، فهذا أمر طبيعي ومطلوب، فالبترول في النهاية صناعة واقتصاد واستثمار وتمويل وأسواق. وإنما المشكلة تبدأ عندما تتحول القراءة الاقتصادية المجردة إلى أحكام قطعية في مسائل فنية وجيولوجية وهندسية وتشغيلية، دون أن يكون صاحبها قد امتلك الأدوات العلمية التي تمكنه من فهم هذه التفاصيل.
فصناعة البترول والغاز ليست جدولًا من الأرقام يمكن وضعه أمام آلة حاسبة ثم الخروج منه بحكم نهائي. الإنتاج ليس مجرد رقم، والاحتياطي ليس مجرد رقم، والبئر ليست مجرد رقم، والاكتشاف ليس بالضرورة إنتاجًا، والإنتاج ليس بالضرورة إنتاجًا مستدامًا، والاستيراد ليس بالضرورة دليلًا على فشل الإنتاج المحلي. كل رقم في هذه الصناعة تقف خلفه منظومة كاملة من العمليات الفنية والاستثمارات والمخاطر.
قبل أن يصل برميل البترول أو قدم الغاز إلى المستهلك، هناك جيولوجيا وجيوفيزياء ومسوح سيزمية، ثم تحديد للأهداف الاستكشافية، وحفر للآبار، وتقييم للمكامن، واختبارات للإنتاج، ودراسات للمردود الاقتصادي، ثم تنمية للحقول، وإنشاء للتسهيلات، وربط بشبكات النقل والمعالجة، وأخيرًا تشغيل وصيانة مستمرة.

وهنا يصبح من المشروع أن نسأل:
هل تكفي قراءة اقتصادية مجردة للحكم على نتيجة عملية استكشافية قد تكون تكلفت ملايين الدولارات قبل أن يتأكد وجود مكمن اقتصادي قابل للإنتاج؟
وهل يمكن أن ننظر إلى بئر تم حفرها على عمق آلاف الأقدام باعتبارها مجرد «رقم» في كشف حساب؟
وهل يمكن لمن لا يعرف الفرق بين المسح السيزمي والدراسات الجيوفيزيقية والحفر الاستكشافي وتقييم المكمن وتنمية الحقل والإنتاج التجاري أن يصدر حكمًا فنيًا قاطعًا على أداء قطاع كامل؟
المسألة هنا ليست تقليلًا من شأن أي تخصص، وإنما احترام للتخصصات. فكما لا يمكن لمهندس بترول أن يتحدث بثقة مطلقة في السياسة النقدية أو إدارة سعر الصرف دون دراسة متخصصة، كذلك لا ينبغي أن يتحول التحليل الاقتصادي إلى بديل عن الخبرة الفنية عندما يكون الحديث عن جيولوجيا المكامن، أو سلوك الآبار، أو معدلات التناقص الطبيعي، أو تقنيات الحفر، أو الإنتاج من المياه العميقة، أو اقتصاديات تطوير الحقول.
الاقتصاد يستطيع أن يقرأ تكلفة المشروع وعائده، لكنه لا يستطيع وحده أن يخبرك لماذا انخفض معدل إنتاج بئر، أو لماذا تغير مسار الحفر، أو لماذا لم يتحول اكتشاف جيولوجي إلى إنتاج تجاري، أو لماذا تحتاج بعض الحقول إلى عمليات رفع اصطناعي أو إعادة إكمال أو حفر آبار إضافية. هذه أمور تحتاج إلى أهل الاختصاص.
استنتاجات خاطئة في مواجهة واقع مركب
والأخطر من ذلك هو بناء استنتاجات كبيرة على معادلات حسابية صحيحة في حد ذاتها، ولكنها لا تمثل كل متغيرات الواقع. قد تقول مثلاً: لدينا إنتاج محلي معين، واستهلاك محلي معين، إذن الفارق هو كمية الاستيراد المطلوبة. الحساب هنا قد يكون صحيحًا. لكن الاقتصاد الحقيقي لسوق الغاز لا يتوقف عند هذه المعادلة.
هناك موسمية في الطلب، ومعدلات تناقص للحقول، وآبار جديدة تدخل الإنتاج، وإنتاج يختلف من حقل إلى آخر، وقدرات معالجة ونقل، وتعاقدات، ومخزونات، واحتياجات لمحطات الكهرباء، واستهلاك صناعي، وأسعار عالمية، وإمدادات إقليمية، وقدرات إعادة تغييز وإسالة. ولهذا فإن صحة الحساب الرياضي لا تعني بالضرورة صحة الاستنتاج البترولي.
وهنا تحديدًا يجب أن يكون النقد موجهًا إلى كل من يتناول قطاع البترول والغاز دون دراية كافية بطبيعته الفنية. ليس المطلوب أن يكون كل من يكتب عن البترول مهندس بترول أو جيولوجيًا، ولكن المطلوب على الأقل أن يعرف حدود تخصصه، وأن يستعين بأهل الخبرة عندما ينتقل من التحليل الاقتصادي إلى الاستنتاج الفني.
فإذا كان الحديث عن الاقتصاد، فليكن الحديث اقتصاديًا. وإذا كان الحديث عن الجيولوجيا والاستكشاف والحفر والإنتاج، فهنا يجب الاستماع إلى الجيولوجي والمهندس والمتخصص الذي أمضى سنوات في الحقول والمنصات ومواقع الحفر والإنتاج. فليس كل من قرأ أرقام الإنتاج أصبح خبيرًا في صناعة البترول، كما أن امتلاك القدرة على إجراء عملية حسابية لا يمنح صاحبها بالضرورة القدرة على تفسير ما وراء الرقم.
والأمر لا يتعلق فقط بالخبرة الأكاديمية، وإنما بالخبرة العملية أيضًا. فمن يعمل في قطاع البترول يعرف أن هناك فرقًا كبيرًا بين قراءة تقرير عن بئر وبين الوقوف أمام منصة حفر ومتابعة عملياتها، وبين قراءة رقم إنتاج يومي وبين التعامل مع بئر يتغير ضغطها ومعدل إنتاجها وخصائص سوائلها، وبين الحديث عن حقل على الورق وبين إدارة عمليات تشغيل وصيانة وإنتاج في بيئة صحراوية أو بحرية على مدار 24 ساعة.
وهنا يجب أن نعيد الاعتبار إلى مفهوم مهم غاب كثيرًا عن الخطاب العام ألا وهو (أعرف حدود معرفتي)، فليس عيبًا أن يقول الإنسان: لا أدري. العيب أن يتحدث بثقة في أمر لا يملك أدوات معرفته، ثم يبني على هذا الحديث أحكامًا قاطعة تمس قطاعًا استراتيجيًا يمس أمن الطاقة والاقتصاد الوطني.
وقد عبر التراث العلمي عن ذلك بوضوح في العبارة الشهيرة المنسوبة إلى عمر بن عبد العزيز: (من قال لا أدري فقد أحرز نصف العلم)، واشتهر عن الإمام مالك قوله: (من قال لا أدري فقد أفتى).

النقد مسؤولة.. والتبسيط المخل خطر
وهذه ليست دعوة إلى الصمت أو احتكار الحديث في الشأن العام. على العكس، النقد مطلوب، والأسئلة الصعبة مطلوبة، ومحاسبة المسؤولين على النتائج والتكلفة والكفاءة حق أصيل للمجتمع. لكن النقد شيء، وإصدار أحكام فنية دون امتلاك المعرفة الفنية شيء آخر تمامًا. وقطاع البترول تحديدًا لا يحتمل التبسيط المخل.
لأن:
وراء كل رقم قصة جيولوجية وفنية واستثمارية وتشغيلية.
وراء كل بئر مخاطرة.
وراء كل اكتشاف احتمالات.
وراء كل زيادة في الإنتاج برنامج حفر وتنمية واستثمارات.
وراء كل انخفاض في الإنتاج أسباب فنية واقتصادية يجب تحليلها.
وراء كل قدم مكعب من الغاز يصل إلى محطة كهرباء أو مصنع شبكة كاملة من البشر والمنشآت والتكنولوجيا والعمل المتواصل.
ومن هنا، فإن احترام قطاع البترول لا يعني إعفاءه من النقد، وإنما يعني أن يكون النقد في مستوى تعقيد القطاع نفسه؛ لاسيما وهو أحد دعائم الأمن القومي المصري، فلكل كلمة حساب وتوزن بميزان الذهب قبل أن تنطق بها الأفواه.
نريد نقدًا لا مجاملة فيه، ومساءلة لا تهاون فيها، وأرقامًا لا انتقائية فيها. لكننا في الوقت نفسه نريد نقدًا يعرف الفرق بين ما هو رقم، وما هو مؤشر، وما هو استنتاج، وما هو حقيقة فنية. أما أن تتحول صناعة تمتد من أعماق الأرض إلى عرض البحر، ومن المسح السيزمي إلى الحفر والإنتاج والمعالجة والنقل، إلى مجرد معادلة حسابية على ورقة، فهذه ليست قراءة اقتصادية متعمقة؛ وإنما تبسيط مخل لصناعة لا يمكن فهمها من خارج سياقها الفني.
والمشهد الحالي يحتاج إلى قراءة أكثر هدوءًا وموضوعية لما يجري في قطاع البترول المصري، قراءة لا تنكر التحديات، ولا تبيع أوهامًا عن اختفاء التحديات، لكنها في الوقت نفسه لا تختزل قطاعًا بحجم قطاع البترول في مجموعة من الأرقام المنتقاة أو المعادلات الحسابية المنفصلة عن سياقها.

تعبيرات الترند تتغافل عن قطاع يعمل على مدار 24 ساعة
فالقول إن «وزارة البترول أصبحت وزارة مشتريات وبروباجندا» قد يكون تعبيرًا إعلاميًا جذابًا، لكنه لا يعكس حقيقة قطاع يعمل على مدار الساعة، ويضم مئات الآلاف من المهندسين والفنيين والعمال والشركات وفرق الحفر والإنتاج والصيانة والتشغيل، في الصحراء والبحر والمعامل والموانئ ومحطات المعالجة وشبكات النقل، بهدف واحد في النهاية.. تأمين احتياجات مصر من الطاقة (الأمن القومي المصري).
تأمين الغاز يجنبنا خسائر وأضرارًا للاقتصاد
من أكثر النقاط التي تحتاج إلى إعادة نظر التعامل مع الغاز المستورد باعتباره دليلًا على إخفاق الإنتاج المحلي. والحقيقة خلاف ذلك؛ فالغاز الذي يتم استيراده، إلى جانب الإنتاج المحلي والإنتاج الإضافي الذي يتحقق من خلال جهود شركات القطاع وتحفيز الشركاء، يدخل في منظومة واحدة لتأمين احتياجات قطاعات الكهرباء والمصانع وصناعات الأسمدة والبتروكيماويات والمرافق الحيوية، خصوصًا خلال فترات ارتفاع الطلب في فصل الصيف.
والسؤال الصحيح هنا ليس: هل نستورد الغاز أم ننتج الغاز؟ بل: كيف نضمن توافر الغاز في كل وقت حيث إن:
توفير الغاز وتأمين احتياجات المصانع يضمن عدم إلحاق أية أضرار بالإنتاج القومي أو الصادرات ودخل الدولة من التصدير أو التأثير على القطاع الزراعي والمحاصيل بسبب تأثر مصانع الأسمدة.
انتظام التيار الكهربائي لتحقيق الاستقرار والوفاء بالتزام الدولة أمام المواطن وتحقيق الازدهار لقطاعات الصناعة والسياحة وغيرها.
الطاقة المستهلكة في المصانع يتم تعظيم القيمة والعائد منها عندما تتحول إلى منتجات وصناعات أعلى قيمة مثل صناعة البتروكيماويات التي تنتج خامات مرتفعة الثمن تدخل في صناعات أخرى أو يتم تصديرها بعائد دولاري كبير.
والواقع أن استقرار إمدادات الكهرباء خلال العامين الماضيين، وعدم تكرار السيناريوهات التي شهدتها بعض القطاعات الصناعية من نقص إمدادات الغاز في عام 2023، لا يمكن فصله عن منظومة متكاملة لإدارة الإنتاج المحلي والاستيراد وشبكات النقل والتوزيع والبنية التحتية.
جهد مئات الآلاف من العاملين في الصحراء والمناطق البعيدة وراء استقرار الطاقة لمصر
كرجل نقابي قبل أن أكون ممثلًا للشعب تحت قبة البرلمان، هناك جانب آخر لا يظهر في جداول الإنتاج والاستيراد؛ حيث إنه خلف كل قدم مكعب من الغاز تمت إضافته إلى الشبكة، هناك مهندس وفني وعامل وفرق حفر وصيانة وتشغيل يعملون في ظروف ليست سهلة، سواء في الحقول البرية أو البحرية، وهؤلاء لا يعملون من خلف مكاتب مكيفة، ولا يعرفون «الترند» اليومي على مواقع التواصل.
إنهم يعملون لكي يستمر الإنتاج، ولكي يتم حفر بئر جديدة، وربط اكتشاف بالإنتاج، وإصلاح تسهيل، وتشغيل محطة، وتأمين شبكة، وكل ذلك تحت إدارة واعية لتأمين بيئة العمل. ولهذا فإن تقييم قطاع البترول يجب ألا يكون فقط من خلال ما يكتبه مقال، وإنما أيضًا من خلال ما يحدث فعليًا على الأرض:
آبار يتم حفرها، واكتشافات تتحقق، وحقول جديدة تدخل على الإنتاج، وإنتاج يتم تعويض تراجعه الطبيعي، واستثمارات يتم جذبها، وبنية تحتية يتم تشغيلها وتطويرها.
سداد مستحقات الشركاء.. ما أهميته؟
من غير المنطقي أيضًا تقديم سداد مستحقات الشركاء وكأنه مجرد إجراء مالي لا علاقة له بالإنتاج. ولا أحد في الوزارة يقول إن سداد المستحقات يعني أن جميع تحديات قطاع الغاز اختفت.
لكن الحقيقة الاقتصادية الواضحة أن استعادة الثقة مع الشركاء تمثل عنصرًا مهمًا في قدرة القطاع على جذب الاستثمارات وتسريع برامج الحفر والاستكشاف والتنمية. بمعنى آخر، سداد المستحقات ليس نهاية الطريق، وإنما أحد شروط فتح الطريق أمام مزيد من الاستثمار والإنتاج. ومن ثم فإن تقييم الخطوة يجب أن يرتبط بما يمكن أن تنتجه لاحقًا من نشاط استثماري وحفر وتنمية، وليس فقط بحجم الأموال التي تم سدادها.

شرق المتوسط.. منافس أم فرصة؟
وصف إنتاج الغاز بأنه في «سقوط حر» تعبير استعراضي ويحتاج إلى قدر أكبر من الدقة عندما يستخدم لتوصيف مستقبل قطاع كامل. الإنتاج في الحقول القديمة يتعرض بطبيعته لمعدلات تناقص، وهذه حقيقة فنية معروفة في صناعة البترول والغاز. لكن المعادلة لا تنتهي هنا؛ فهناك حفر جديد، واستكشافات، واكتشافات يتم تقييمها وتنميتها، وآبار يتم ربطها بالإنتاج، وبرامج تستهدف تعويض التناقص الطبيعي للحقول القائمة.
والهدف ليس الادعاء بأن الإنتاج ارتفع لمجرد الرغبة في تقديم صورة إيجابية (بروباجندا)، وإنما إيقاف منحنى التراجع ثم استعادة النمو تدريجيًا. وهنا تحديدًا، فإن أي تحليل اقتصادي جاد يجب أن يسأل: ماذا كان سيحدث لو استمر منحنى انخفاض الإنتاج بالمعدلات نفسها دون تدخل؟ هذا السؤال أكثر أهمية من مجرد وصف الوضع الحالي.
ربما تكون واحدة من أكثر النقاط التي تحتاج إلى إعادة تقييم هي النظر إلى غاز شرق المتوسط باعتباره منافسًا للغاز المصري. مصر تمتلك بنية تحتية متقدمة للغاز، وسوقًا محلية كبيرة، ومرافق للمعالجة والإسالة، وموقعًا جغرافيًا مميزًا. وبالتالي فإن وصول غاز من حقول شرق المتوسط إلى البنية التحتية المصرية لا يعني ببساطة "واردات"، بل يمكن أن يعني تعظيم استخدام أصول قائمة، وزيادة معدلات تشغيل البنية التحتية، وتحويل مصر إلى مركز إقليمي لتجميع ومعالجة وإسالة وتداول الغاز.
وهنا يصبح الغاز القبرصي تحديدًا جزءًا من معادلة استراتيجية أوسع من مجرد شراء شحنة غاز. فالقيمة لا تكمن فقط في الغاز ذاته، وإنما في الموقع والبنية التحتية والسوق والخبرات وقدرات المعالجة والإسالة. وهذه ميزة لا تملكها كل دول المنطقة.
هل التدفقات الإقليمية تضع «سقفًا قسريًا» للإنتاج المصري؟
مصطلح “FORCED CAP” يبدو حاسمًا للغاية، لكنه في الحقيقة يقوم على مجموعة من الافتراضات التي يمكن أن تتغير. نقطة التوازن في سوق الغاز ليست رقمًا ثابتًا، إنها تتحرك وفقًا لعوامل كثيرة، من بينها:
حجم الطلب المحلي.
معدلات النمو الصناعي.
احتياجات قطاع الكهرباء.
التوسع في الأسمدة والبتروكيماويات.
الاكتشافات الجديدة.
مستويات الأسعار.
كفاءة البنية التحتية.
قدرات المعالجة والإسالة.
التدفقات الإقليمية.
فرص التصدير.
الاستثمارات الجديدة.
ومن ثم، فإن القول إن وجود غاز تستقبله مصر من حقول شرق المتوسط سيضع تلقائيًا «سقفًا» للإنتاج المصري يتجاهل أن حجم السوق نفسه ليس ثابتًا. فمصر ليست سوقًا صغيرة تبحث عن منفذ لتصريف فائض غاز، إنها اقتصاد كبير للذي لا يعلم حجم مصر، ولديه احتياجات متنامية من الكهرباء والصناعة والأسمدة والبتروكيماويات ومشروعات القيمة المضافة.
$10 - 6.1 = 3.9$ حسابيًا نعم، لكن ماذا بعد؟ قد تكون المعادلة الحسابية صحيحة نظريًا، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول صحة الحساب إلى صحة الاستنتاج الاقتصادي. ميزان الغاز لا يعمل بهذه البساطة، فالفارق بين الإنتاج والاستهلاك لا يمكن قراءته بمعزل عن الموسمية، وقدرات النقل والمعالجة، ومعدلات الإنتاج الفعلية، ومستويات الطلب، والتعاقدات، والمخزون، وقدرات الإسالة، والاحتياجات اليومية لمحطات الكهرباء والصناعة. ولهذا فإن الرقم وحده لا يحكي القصة؛ الأرقام تصبح ذات معنى عندما توضع داخل النموذج الاقتصادي والتشغيلي الذي أنتجها.
هناك مشكلة أكبر في بعض القراءات التي تطرح مستقبل الغاز بطريقة تبدو فيها الدولة خاسرة في جميع الاحتمالات:
إذا ارتفع الإنتاج، فهناك مشكلة لأن الاستيراد قد يصبح غير ضروري.
وإذا انخفض الإنتاج، فهناك مشكلة لأن الاستيراد سيرتفع.
وإذا جاءت تدفقات إقليمية، فهي مشكلة.
وإذا لم تأتِ، فهي مشكلة.
هذه ليست طريقة متوازنة لقراءة الاقتصاد. التحليل الموضوعي يفترض أن هناك سيناريوهات وبدائل وتكاليف وفرصًا، وليس أن كل طريق يمكن أن تسلكه الدولة ينتهي بالضرورة إلى أزمة. فالسياسة الاقتصادية الرشيدة لا تبحث عن سيناريو مثالي لا يتغير فيه الطلب ولا الإنتاج ولا الأسعار، وإنما تبني قدرًا من المرونة يسمح لها بالتعامل مع المتغيرات.
زيادة الإنتاج المحلي لا تفقد قيمتها بسبب الاستيراد
من أكثر الاستنتاجات التي تستحق التوقف أمامها القول إن زيادة الإنتاج المحلي قد تصبح بلا قيمة في ظل وجود واردات. وهذا استنتاج يصعب الدفاع عنه اقتصاديًا بهذه الصورة المطلقة. زيادة الإنتاج المحلي تعني، قبل أي شيء، تعزيز أمن الطاقة وتقليل المخاطر وزيادة المرونة. أما وجود واردات في وقت معين فلا يلغي قيمة الإنتاج المحلي، بل إن امتلاك أكثر من مصدر للإمداد قد يكون في حد ذاته عنصر قوة. والدولة لا يفترض أن تتعامل مع الإنتاج المحلي والاستيراد باعتبارهما طرفين متناقضين دائماً، وإنما باعتبارهما أداتين ضمن منظومة أوسع لتأمين احتياجات السوق.
ماذا لو تحولت زيادة الغاز إلى زيادة في النشاط الصناعي؟ هذه ربما هي الزاوية التي تغيب عن بعض التحليلات. الغاز ليس فقط منتجًا يجب إنتاجه ثم البحث عن طريقة لتصريفه، إنه مدخل إنتاج. وعندما تتوافر الإمدادات، يمكن أن تتوسع الصناعات كثيفة الاستخدام للطاقة، وتزيد استثمارات الأسمدة والبتروكيماويات، وتنشأ مشروعات جديدة للقيمة المضافة. وبالتالي فإن زيادة المعروض من الغاز يمكن أن تتحول من «مشكلة فائض» إلى فرصة للنمو الصناعي إذا تزامنت مع سياسات استثمارية وصناعية مناسبة. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل نريد النظر إلى الغاز باعتباره سلعة نبحث عن مشترٍ لها، أم باعتباره أحد مدخلات بناء اقتصاد صناعي أكثر عمقًا؟
الأخبار ليست أسرع من الأرقام
القول إن الوزارة «تدير الأخبار أسرع من الأرقام» هو حكم يحتاج بدوره إلى اختبار. فالنتائج لا تقاس فقط بعدد البيانات الصحفية، بل تقاس بما يتم على الأرض: آبار تم حفرها، اكتشافات تحققت، اكتشافات تم ربطها بالإنتاج، إنتاج جديد تمت إضافته، برامج استكشاف وتنمية، استثمارات، وشراكات، وبنية تحتية تعمل بكفاءة. والحكم العادل يجب أن يضع هذه العناصر جميعًا في الميزان، لا أن يأخذ رقمًا واحدًا ويترك باقي المعادلة.

النقد مطلوب.. لكن الموضوعية أهم
لا أحد يطالب الصحافة أو الخبراء بالتوقف عن النقد، بل على العكس، قطاع بحجم قطاع البترول يحتاج إلى نقد مهني مستمر، وإلى أسئلة صعبة، وإلى مساءلة عن النتائج والتكلفة والكفاءة. لكن هناك فرقًا كبيرًا بين النقد وبين بناء رواية وهمية تبدأ من نتيجة ثم تبحث عن الأرقام الخاطئة التي تثبتها. الاقتصاد لا يعمل بهذه الطريقة، وسوق الغاز تحديدًا أكثر تعقيدًا من أن تختصره عبارة مثل «أزمة» أو «فائض» أو "سقف قسري".
فالحقيقة الكاملة تشمل في الوقت نفسه: تراجع إنتاج بعض الحقول، وزيادة الإنتاج من آبار أخرى، وبرامج حفر واستكشاف، واكتشافات جديدة، واستثمارات، وسداد مستحقات للشركاء، وغازًا إقليميًا، وبنية تحتية مصرية، وطلبًا محليًا متزايدًا، واحتياجات كهرباء وصناعة، وفرصًا للتوسع في القيمة المضافة.
وإذا كان هناك واقع يجب أن يُروى، فهو ليس فقط واقع الأرقام الموجودة على الورق. هناك أيضًا واقع آلاف العاملين الذين يواصلون العمل في الحقول والمنصات والمصانع والموانئ وشبكات الغاز، 24 ساعة في اليوم، وفي ظروف تشغيلية صعبة، حتى يصل الغاز إلى محطة الكهرباء والمصنع والمرفق الحيوي. هذه ليست بروباجندا، وهذه ليست محاولة لإنكار التحديات، إنها ببساطة الجزء الآخر من الحقيقة.
والحقيقة الكاملة هي وحدها التي تسمح بحكم عادل على قطاع لا يحتمل التبسيط، ولا يستفيد من التهويل، ولا يحتاج إلى تجميل. النقد مطلوب.. لكن عندما يتعلق الأمر بأمن الطاقة واقتصاد دولة (الأمن القومي المصري)، فإن الدقة ليست رفاهية إعلامية، والموضوعية ليست مجاملة لأحد، إنها شرط لصحة الحكم نفسه.
وفي الختام، تحية واجِبة وشكر وتقدير لكافة العاملين بقطاع البترول المصري والقائمين عليه، وفي مقدمتهم المهندس كريم بدوي وزير البترول والثروة المعدنية، الذين لا يألون جهدًا لخدمة المواطن المصري وتلبية احتياجاته من الوقود والطاقة.