عاجل

منذ سنوات، أصبح تمديد فترات التقسيط هو الحل الأسرع الذي تلجأ إليه شركات التطوير العقاري كلما واجه السوق تباطؤًا في المبيعات. ومع مرور الوقت، تحولت المنافسة بين الشركات من جودة المنتج أو كفاءة المشروع إلى سباق مفتوح حول من يقدم أقل مقدم، ومن يمنح أطول فترة سداد.

في البداية، بدت هذه السياسة منطقية. فكلما انخفضت قيمة القسط الشهري، ارتفعت قدرة العميل على اتخاذ قرار الشراء، وازدادت فرص البيع. لكن مع مرور الوقت، بدأ هذا النموذج يفقد فاعليته، ليس لأنه غير ناجح، وإنما لأنه أصبح يُستخدم كحل دائم لمشكلة مؤقتة، حتى تحول تدريجيًا من أداة لتنشيط السوق إلى أحد العوامل التي أعادت تشكيل هيكله المالي بالكامل.

الاقتصاد يعلمنا أن أي أداة تحقق نتائج إيجابية عند استخدامها في حدود معينة، قد تتحول إلى مصدر للمخاطر إذا أصبحت البديل الوحيد لكل أزمة. وهذا ما حدث مع التقسيط طويل الأجل داخل السوق العقاري المصري.

فعندما يمنح المطور فترة سداد تمتد إلى عشر سنوات أو أكثر، فإنه لا يبيع وحدة عقارية فقط، بل يمنح تمويلًا طويل الأجل من موارده الخاصة. ومع تكرار هذا النموذج في آلاف الوحدات، تتحول شركة التطوير تدريجيًا من شركة تبني وتطور المشروعات إلى جهة تمويل تتحمل مخاطر تمتد لسنوات طويلة، بينما تظل مطالبة بتنفيذ المشروع وفق جداول زمنية لا تنتظر تحصيل كامل قيمته.

هذه المعادلة تفرض ضغوطًا متزايدة على التدفقات النقدية، وتجعل رأس المال يدور بوتيرة أبطأ، وهو ما يدفع كثيرًا من الشركات إلى البحث عن مصادر تمويل إضافية للحفاظ على استمرارية التنفيذ، فتزداد تكلفة التمويل، وترتفع معها التكلفة النهائية للمشروع.

وفي المقابل، لم يعد التقسيط الطويل كافيًا لإقناع شريحة واسعة من العملاء باتخاذ قرار الشراء. فالمشكلة بالنسبة لكثير منهم لم تعد قيمة القسط الشهري وحدها، بل درجة اليقين تجاه الدخول، والاستقرار الوظيفي، والقدرة على الالتزام المالي لسنوات طويلة، في ظل بيئة اقتصادية سريعة التغير.

وهنا تظهر مفارقة مهمة؛ فكلما زادت مدة التقسيط، ظن السوق أنه يقدم ميزة تنافسية أكبر، بينما قد يكون في الواقع يؤجل المشكلة بدلاً من حلها. فإطالة مدة السداد لا تخلق قوة شرائية جديدة، بل تعيد توزيع تكلفة الوحدة على فترة زمنية أطول، دون أن تعالج أصل الأزمة إذا ظل دخل العميل غير قادر على تحمل الالتزام.

والأخطر من ذلك أن الاعتماد المفرط على التقسيط الطويل أدى إلى تشابه المنتجات البيعية بين معظم الشركات. فأصبح من السهل على العميل أن يجد مدد سداد متقاربة في أغلب المشروعات، فتراجع تأثير هذه الأداة باعتبارها عنصرًا حاسمًا في قرار الشراء، وأصبحت المنافسة بحاجة إلى أدوات أكثر ابتكارًا.

إن المرحلة المقبلة تفرض على السوق الانتقال من مفهوم «إطالة التقسيط» إلى مفهوم «تنويع أدوات التمويل». فبدلاً من أن يتحمل المطور وحده عبء تمويل العميل، يجب أن تتوزع الأدوار بين البنوك، وشركات التمويل العقاري، وصناديق الاستثمار، ومنتجات الملكية الجزئية، وبرامج الإيجار المنتهي بالتملك، وغيرها من الآليات التي تمنح السوق مصادر سيولة أكثر استدامة.

كما أن إعادة النظر في فلسفة البيع نفسها أصبحت ضرورة. فالمطور الناجح لن يكون هو من يمنح أطول فترة سداد، وإنما من يستطيع تصميم نموذج تمويلي يحقق التوازن بين مصلحة العميل، واستدامة التدفقات النقدية للشركة، والحفاظ على القيمة الاقتصادية للمشروع.

ولذلك، فإن مستقبل القطاع العقاري لن يُقاس بعدد السنوات المكتوبة في خطة السداد، بل بقدرة السوق على إنتاج حلول تمويلية أكثر ذكاءً، وأكثر تنوعًا، وأقل اعتمادًا على المطور باعتباره الممول الوحيد.

لقد أدى التقسيط طويل الأجل دورًا مهمًا في مراحل مختلفة من نمو السوق، ولا يمكن إنكار مساهمته في توسيع قاعدة التملك والاستثمار. لكن تحويله إلى الحل الوحيد لكل أزمة خلق تحديات جديدة لم تكن مطروحة من قبل. واليوم، يقف القطاع أمام مرحلة مختلفة، تتطلب الانتقال من اقتصاديات التقسيط إلى اقتصاديات التمويل، ومن ثقافة بيع الوحدات إلى ثقافة بناء منظومة مالية متكاملة تدعم النمو وتمنح السوق قدرة أكبر على مواجهة المتغيرات المستقبلية.

تم نسخ الرابط