عاجل

«حين أشرقت شمس آتون».. حكاية إخناتون ونفرتيتي من قلب تل العمارنة بالمنيا

قصة الملك اخناتون
قصة الملك اخناتون ونفرتيتي في تل العمارنة بالمنيا

تقف بقايا مدينة قديمة لا تزال تحتفظ بأسرار واحد من أكثر ملوك مصر القديمة إثارة للجدل، على الضفة الشرقية لنهر النيل، وفي مواجهة مركز ديرمواس جنوب محافظة المنيا، هنا في تل العمارنة، عاش الملك إخناتون وزوجته الملكة نفرتيتي، وبين جبال المكان وشروق الشمس بدأت واحدة من أكثر صفحات التاريخ المصري القديم اختلافًا.

 لم تكن العمارنة مجرد مدينة بناها فرعون ثم غادرها، وإنما كانت محاولة لصناعة عالم جديد بالكامل، عالم أراد إخناتون أن يجعله مكرسًا لعبادة الإله آتون، بعيدًا عن تقاليد العواصم المصرية القديمة وكهنتها ومعابدها.

 وتشير وزارة السياحة والآثار، إلى أن إخناتون أنشأ المدينة في الأسرة الثامنة عشرة لتكون عاصمة للبلاد ومركزًا للديانة الجديدة، وأطلق عليها اسم «آخت آتون»، أي «أفق آتون».

إخناتون الملك الذي غير اسمه وحياة مصر

 قبل أن يصبح «إخناتون»، كان الملك يعرف باسم أمنحتب الرابع، ابن الملك أمنحتب الثالث والملكة تيي، لكن في السنة الخامسة تقريبًا من حكمه، بدأ التحول الكبير الذي سيغير شكل عهده وتاريخ مصر القديمة.

 اختار الملك اسم «إخناتون»، وارتبط اسمه بعبادة آتون، قرص الشمس الذي أصبح محور العقيدة الجديدة، ومع هذا التحول اتخذ قرارًا أكثر جرأة، بترك طيبة العاصمة التقليدية وبناء مدينة جديدة على أرض لم تكن مرتبطة بإله أو ملك سابق.

كانت تلك المدينة هي «آخت آتون»، التي أصبحت تعرف بعد ذلك باسم تل العمارنة.

 إخناتون لم يكن يريد مجرد عاصمة جديدة، بل أراد أن يجعل المدينة انعكاسًا لفكرته الدينية، لذلك ظهرت المعابد والقصور والمناطق السكنية والمقابر في تخطيط جديد، وتحددت حدود المدينة بألواح حجرية عرفت باسم «لوحات الحدود».

 نفرتيتي الملكة التي حضرت في قلب المشهد

 ظهرت نفرتيتي في قلب هذه التجربة الملكية، واحدة من أشهر ملكات مصر القديمة وأكثرهن حضورًا في الفن المصري، لم تظهر نفرتيتي إلى جوار إخناتون باعتبارها زوجة ملك فحسب، وإنما حضرت بصورة لافتة في النقوش والمناظر التي سجلت حياة الأسرة الملكية وطقوسها أمام آتون.

 أصبحت في العمارنة، الأسرة الملكية نفسها جزءًا من المشهد الديني، فالنقوش والمناظر أظهرت إخناتون ونفرتيتي وبناتهما في مشاهد عائلية أكثر حيوية من الصور الملكية التقليدية، كما أن إخناتون ونفرتيتي عاشا في أخيتاتون، وأن الملكة ارتبط اسمها كذلك بالطقوس الخاصة بعبادة آتون، وأن للزوجين ست بنات، ظهرن في عدد من المشاهد الفنية التي تركتها فترة العمارنة.

 كان آتون حاضرًا في كل شيء

 وتشير الدراسات المتعلقة بتخطيط المدينة إلى وجود مناطق ملكية ووسط إداري ومناطق سكنية للنخبة وأخرى للفلاحين، إلى جانب المعابد والقصور والمقابر، كما ارتبط تصميم المدينة بفكرة جعل الشمس عنصرًا أساسيًا في الحياة الدينية والملكية، وفي الفن العمارني نفسه، ظهر إخناتون وعائلته بصورة مختلفة عن الصورة التقليدية للفراعنة، فبدلًا من الجمود والهيبة الرسمية وحدهما، ظهرت مشاهد أسرية أكثر قربًا من الحياة اليومية، وهو ما منح تلك الحقبة طابعًا فنيًا مميزًا.

 رسائل من الطين تحكي أسرار العالم القديم

 ومن أكثر ما يجعل تل العمارنة مختلفًا عن كثير من المواقع الأثرية اكتشاف مجموعة شهيرة من الألواح الطينية عرفت باسم «رسائل العمارنة»، كانت تلك الألواح مكتوبة بالخط المسماري، وتضمنت مراسلات بين حكام مصر وحكام وقوى في الشرق الأدنى خلال القرن الرابع عشر قبل الميلاد، وقدمت معلومات مهمة عن العلاقات الدبلوماسية والسياسية في ذلك العصر.

 لم تعد المدينة تتحدث فقط من خلال القصور والنقوش والتماثيل، وإنما أصبح الطين نفسه شاهدًا على اتصالات الملوك، ومخاوفهم، وتحالفاتهم، وطلبات المساعدة التي كانت تصل إلى البلاط المصري.

 النهاية مدينة لم تعش طويلًا

 بعد وفاة الملك، تراجعت تجربة العمارنة تدريجيًا، وعاد خلفاؤه إلى المعتقدات والتقاليد الدينية القديمة، واستعاد توت عنخ آمون، خليفة إخناتون، جانبًا كبيرًا من النظام الديني السابق، قبل أن تأتي مرحلة الملك حورمحب الذي ارتبط اسمه بمحاولات محو آثار عصر العمارنة وإخناتون من الذاكرة الرسمية.

 من إخناتون ونفرتيتي إلى تل العمارنة اليوم

 يقف اليوم، الزائر في المكان نفسه الذي شهد قبل آلاف السنين واحدة من أكثر التجارب الملكية اختلافًا في تاريخ مصر، لم يعد هناك قصر يستقبل إخناتون ونفرتيتي، ولا عربات ملكية تعبر طرق المدينة، ولا طقوس ملكية تقام تحت الشمس، لكن بقايا الجدران والمقابر والمعابد ولوحات الحدود ما زالت تمنح المكان قدرة نادرة على استعادة الماضي.

وتؤكد وزارة السياحة والآثار، أن موقع تل العمارنة يضم بقايا القصور والمعابد والأحياء السكنية والمقبرة الملكية ومقابر الأفراد، ويقع الموقع في محافظة المنيا بقرية بني عمران التابعة لديرمواس.

وبين جبال المنيا والنيل، لا تزال العمارنة تروي قصتها بصمت، قصة ملك أراد أن يجعل الشمس إلهًا حاضرًا في كل تفاصيل الحياة، وملكة بقي وجهها واحدًا من أكثر الوجوه شهرة في تاريخ الحضارة المصرية القديمة.

تم نسخ الرابط