بئر المهدلي.. حكاية 200 عام بدأت بسقاية الحجاج وانتهت بإنقاذ السويس من العطش
في منطقة الغريب بمحافظة السويس، تختبئ حكاية بئر قديم ارتبط اسمه بتاريخ المدينة، وبأيام الحصار والمقاومة خلال حرب أكتوبر 1973. إنه بئر سيدي المهدلي، الذي يعود عمره، وفق الروايات المحلية، إلى أكثر من 200 عام، حين قدم رجل صالح من المغرب العربي مع قوافل الحجاج، وأقام في السويس، فحفر بئرا ليكون سبيلا وسقاية للحجاج وعابري السبيل.
لم يكن الشيخ المهدلي يعلم أن البئر الذي حفره قبل قرنين تقريبًا سيأتي يوم يصبح فيه مصدرا للحياة لأهالي المدينة التي استضافته، بعدما انقطعت عنها مياه الشرب خلال حصار السويس في أعقاب حرب أكتوبر.
القلزم.. محطة الحجاج قبل عبور البحر
كانت السويس، أو «القلزم» كما عُرفت قديمًا، محطة مهمة للحجاج القادمين من شمال أفريقيا وبلاد المغرب العربي في طريقهم إلى الأراضي المقدسة.
وكان الحجاج يمكثون في المدينة لفترة قبل استكمال رحلتهم، حيث كانت منطقة الغريب واحدة من المناطق التي شهدت حركة تجارية وسكانية مرتبطة بقوافل الحجاج، قبل أن يواصلوا رحلتهم بحرًا عبر خليج السويس أو برًا عبر سيناء وبلاد الشام.
وفي هذه البيئة حفر الشيخ المهدلي بئره، وأوصى بأن يكون سبيلًا مفتوحًا لكل من يحتاج إلى مائه، دون منع أو مقابل.
وصية عمرها قرنان
يحتفظ محل قديم لإصلاح الأحذية بمنطقة الغريب بالبئر حتى اليوم، ويتوارث أصحابه مسؤولية الحفاظ عليه.
ويروي صبحي يوسف، صاحب المحل، أن البئر حفره «سيدي المهدلي» ليكون سقاية للحجاج، وأن وصيته ظلت محفوظة لدى من تعاقبوا على المكان.
وتؤكد هذه الرواية وثيقة إيجار قديمة للمحل مؤرخة في 21 نوفمبر 1950، مكتوبة بالعربية والفرنسية، وتتضمن بندًا بخط اليد ينص على وجود «بئر سيدي المهدلي» داخل الدكان، مع تعهد المستأجر بعدم التعرض له أو منع أي شخص من الحصول على مائه للتبرك والسقاية، والحفاظ عليه.
وهكذا ظل البئر محفوظا من منزل إلى آخر، ومن جيل إلى جيل، رغم تغير شكل المنطقة وهدم منازل قديمة وبناء أخرى مكانها.
من بئر للحجاج إلى شريان حياة للمقاومة
بعد حرب يونيو 1967، تعرضت مدن القناة للتهجير، وغادر كثير من أبناء السويس المدينة، ومن بينهم أسرة صاحب المحل، بينما بقي في السويس رجال المقاومة الشعبية والفدائيون وبعض أفراد القوات المسلحة والشرطة والحرفيين والمهنيين.
ومع حرب أكتوبر 1973، وبعد عبور القوات الإسرائيلية إلى الضفة الغربية للقناة ومحاولتها التقدم نحو السويس، تعرضت محطة مياه الشرب بمنطقة الهويس للقصف، وانقطعت خطوط إمداد المياه عن المدينة.
دخلت السويس في واحدة من أصعب فترات تاريخها، وأصبح الحصول على مياه الشرب تحديًا يوميًا للسكان والمقاومين والجنود.
وفي ظل الأزمة، تذكر رجال المقاومة البئر القديم الموجود في منطقة الغريب.
الشيخ حافظ سلامة وقصة البئر
بحسب الرواية الشعبية التي نقلها أهالي المنطقة، أُبلغ الشيخ حافظ سلامة، قائد المقاومة الشعبية في السويس، بقصة البئر، ووصل الأمر إلى المحافظ اللواء بدوي الخولي، ليصدر توجيه بفتح المكان والوصول إلى البئر والاستفادة من مياهه.
وتحكي الرواية أن الشيخ حافظ سلامة ألقى كمية من السكر في البئر، في تقليد ارتبط لاحقًا بذاكرة المكان، ثم بدأت المياه تُستخرج منه، وحمل رجال المقاومة والجنود والأهالي ما لديهم من أوعية وجراكن للحصول على المياه.
تحول البئر في تلك الأيام إلى مصدر مهم للمياه، وساعد أبناء المدينة على مواجهة أزمة العطش خلال فترة الحصار.
ماء بلا مقابل