عاجل

هناك معارك تنتهي بانتهاء الميدان، ومعارك أخرى تبدأ بعد أن يخلو الميدان من المتظاهرين.

المعركة مع جماعة الإخوان لم تكن في يوم من الأيام مجرد خلاف سياسي عابر، ولا يمكن اختزالها في لحظة 2013 وحدها. نحن أمام تنظيم صاحب مشروع أيديولوجي عابر للحدود، حاول أن يقدّم ولاء الجماعة على حساب مفهوم الدولة الوطنية، وترك وراءه أثراً فكرياً واجتماعياً ما زال ممتداً داخل أجيال لم تكن طرفاً في القرار، لكنها وُلدت في ظل نتائجه.

وهنا تحديداً يجب أن ننتبه.

المعركة الحقيقية اليوم لم تعد مع من تبنّى الفكرة فقط، بل مع محاولات إعادة ضخها في وعي جيل لم يصنع الحدث ولم يعشه، لكنه قد يتلقّى روايته جاهزة ومغلقة.

الطفل الذي دخل الميدان.. ماذا حدث له بعد ذلك؟

من أكثر المشاهد التي لا يمكن تجاوزها بسهولة تلك الصور التي ظهر فيها أطفال داخل اعتصام رابعة، بعضهم في مشاهد رمزية صادمة، وبعضهم كُتب عليه "مشروع شهيد"، في لحظة لا يمكن التعامل معها كتفصيل عابر في حدث سياسي.

السؤال الأهم اليوم لم يعد لماذا حدث ذلك فقط، بل أين أصبح هؤلاء الآن؟

كيف كبروا؟
ماذا يدرسون؟
كيف تشكّلت نظرتهم للوطن؟
كيف يرون مؤسسات الدولة؟
وما الذي سمعوه طوال السنوات التي تلت تلك اللحظة؟

المسألة هنا ليست بحثاً عن إدانة لأطفال كانوا خارج دائرة الاختيار، بل محاولة لفهم أخطر ما يمكن أن يحدث: أن يتحول وعي الطفولة إلى ذاكرة مُصنّعة تُستخدم لاحقاً في تشكيل الموقف من الدولة والمجتمع.

فالطفل لا يصنع روايته، بل يتلقاها، ثم يكبر وهو يحملها كحقيقة مطلقة، حتى لو لم يختبرها بنفسه.

وهنا تبدأ خطورة المعركة الفكرية.

جيل لم يختر معركته

هناك جيل كامل اليوم لم يكن طرفاً في أي قرار مما جرى قبل أكثر من عقد. كانوا أطفالاً أو صغاراً وقت حكم الجماعة، ثم وقت سقوطها وما تلاه من أحداث.

ومع ذلك، قد يجد بعضهم نفسه اليوم أمام رواية جاهزة تقول له: أنت ابن "مظلومية"، والدولة هي الخصم، وكل ما حدث كان استهدافاً لك ولأسرتك.

إذا ترسخت هذه الرواية، فنحن  امام إعادة إنتاج الأزمة داخل جيل جديد بالكامل.

وهنا لا يكفي أن نراقب، لأن الفراغ لا يبقى فراغاً.

إذا لم تُقدَّم له رواية وطنية متماسكة، سيملؤه خطاب آخر، يتغذى على الانتقائية والمظلومية وإعادة تفسير الماضي بطريقة مشوهة.

أبناء الخارج.. معركة لا تتوقف عند الحدود

الأمر لا يقتصر على الداخل فقط.

فهناك أبناء لأسر غادرت البلاد، نشأوا في بيئات مغلقة، تتلقى صورتها عن مصر من خلال روايات أسرية أو منصات رقمية أو دوائر فكرية متكررة.

هؤلاء لم يعيشوا مصر كما هي، بل عاشوا صورتها كما تُروى لهم.

ومع الوقت، قد تتحول المسألة  إلى أزمة هوية كاملة.

فالإنسان الذي يكبر وهو يسمع أن وطنه عدو، وأن مؤسساته شر مطلق، وأن أي إنجاز لا قيمة له، قد يصل إلى لحظة لا يرى فيها نفسه جزءاً من هذا الوطن أصلاً.

وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

ليس في الاختلاف، ولا في النقد، فهما حق مشروع، بل في تحويل الوطن نفسه إلى خصم دائم في الوعي.

من يصنع هذا الوعي؟

من المهم ألا نقع في التعميم. ليس كل من ينتمي لبيئة فكرية معينة هو امتداد لها، وليس كل شاب نشأ في أسرة ذات توجه سياسي محدد هو نسخة منه.

لكن في المقابل، من السذاجة إنكار أن الأفكار تُورَّث أحياناً، وأن البيئات المغلقة قادرة على إعادة إنتاج خطابها عبر الأجيال.

اليوم لم تعد المعركة مباشرة كما كانت، بل أصبحت معركة روايات.

محتوى يُعاد تدويره، أحداث تُقدَّم بشكل انتقائي، منصات تصنع سرديات متكررة، ومحاولات مستمرة لاستثمار الغضب والإحباط وتحويله إلى عداء شامل للدولة.

وفي بعض الحالات، قد تتقاطع هذه الجهود مع مصالح خارجية، لكن التعامل معها يجب أن يكون بالوعي والتحليل.

الدولة ليست جماعة.. والوطن ليس تنظيماً

الفارق هنا جوهري.

الدولة المصرية ليست تنظيماً سياسياً يمكن إسقاطه أو استبداله برواية أخرى، بل هي كيان شامل يضم مجتمعاً ومؤسسات وتاريخاً ومصيراً مشتركاً.

يمكن أن نختلف مع حكومة، ننتقد مسؤولاً، نطالب بتغيير قانون، أو نرفض سياسة معينة، وهذا كله جزء طبيعي من أي مجتمع حي.

لكن تحويل الدولة نفسها إلى عدو دائم في الوعي هو مسار مختلف تماماً.

لأنك حين تهدم فكرة الدولة في ذهن جيل كامل، فأنت لا تعارض سلطة، بل تهدم الإطار الذي يحمي المجتمع كله.

وهنا تصبح المعركة الفكرية جزءاً من الأمن القومي، سواء تم الاعتراف بذلك أم لا.

كيف نواجه؟

المواجهة لا تكون بالشعارات ، ولا بمحاولة فرض الانتماء بالقوة.

الانتماء لا يُفرض، بل يُبنى.

نحتاج إلى تعليم يقدّم التاريخ كما هو.

نحتاج إلى إعلام يفكك آليات صناعة الدعاية، لا يكتفي بالرد عليها.

نحتاج إلى محتوى يخاطب الشباب بلغتهم، لا بلغة بعيدة عن واقعهم.

ونحتاج إلى مؤسسات قادرة على تفكيك الفكر المتطرف من جذوره، لا الاكتفاء بملاحقة نتائجه.

استعادة الإنسان من الفكرة دائماً أقل كلفة من ترك الفكرة تستعيد الإنسان.

المعركة القادمة على العقل

انتهى حكم الجماعة، لكن الفكرة لم تنتهِ تلقائياً.

قد تخسر التنظيمات الارهابية السلطة، لكنها تحاول الاحتفاظ بالرواية.

وقد تفقد القدرة على الحشد، لكنها تبحث عن جيل جديد لم يعش الأحداث، لتعيد تقديمها له من البداية.

وهنا تبدأ المعركة الحقيقية: من يملك تفسير الماضي، ومن يملك تشكيل وعي المستقبل.

أخطر ما يمكن فعله هو ترك جيل كامل يتلقى تاريخه من مصدر واحد.

نحن لا نحتاج إلى جيل يرفض الفكرة فقط، بل إلى جيل يفهمها، ويفهم لماذا كانت خطراً على الدولة الوطنية، ويدرك في الوقت نفسه أن حب الوطن لا يقدر بثمن

انتهت لحظة رابعة منذ سنوات، لكن أثرها لم ينتهِ بعد داخل العقول الاطفال الذين تم التغرير بهم  الذين كانوا هناك

وهؤلاء الأطفال لم يعودوا أطفالاً، بل أصبحوا شباباً.

وبينما تمضي الدولة في بناء المستقبل، لا يجب أن نترك الماضي يُعاد بناؤه داخل وعيهم من جديد.

فالمعركة التي تُحسم في الميدان تنتهي سريعاً، أما المعركة التي تُترك للأفكار فقد تمتد إلى جيل كامل.

تم نسخ الرابط