عاجل

لم تعد وسائل التواصل الاجتماعي مجرد أدوات للتواصل أو منصات للترفيه بل أصبحت قوة مؤثرة في تشكيل وعي المجتمعات وصياغة اتجاهات الرأي العام بل والتأثير في اللغة والقيم والذوق العام. وفي عالم تتحرك فيه المعلومة بضغطة زر أصبحت معركة الهوية والثقافة أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى.

المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها وإنما في الطريقة التي نستخدمها بها. فالسوشيال ميديا فتحت أمام الأجيال الجديدة أبوابًا واسعة للاطلاع على ثقافات العالم وأتاحت فرصًا غير مسبوقة للتعلم والتعبير والإبداع لكنها في الوقت نفسه جعلت الهوية المحلية في مواجهة يومية مع ملايين الصور والأفكار والأنماط القادمة من كل مكان.

والأخطر أن التأثير لا يحدث دائمًا بصورة مباشرة. فالتكرار يصنع الألفة والألفة قد تتحول إلى قبول والقبول قد يتحول بمرور الوقت إلى سلوك. وهكذا يمكن أن تتسلل قيم وأنماط حياة جديدة إلى المجتمع دون أن يشعر أحد بأن هناك تحولًا حقيقيًا يحدث.
لقد أصبحت بعض منصات التواصل تفرض نموذجًا واحدًا للنجاح والجمال والشهرة حتى بات عدد المتابعين معيارًا للقيمة لدى البعض وأصبحت الشهرة السريعة أحيانًا أكثر جذبًا من العلم والعمل والإنجاز الحقيقي. كما تعرض الأجيال الجديدة يوميًا أمام نماذج حياة مثالية ومصطنعة وهو ما قد يخلق فجوة بين الواقع والطموح وبين ما يملكه الإنسان وما يعتقد أنه يجب أن يملكه.

أما اللغة وهي أحد أهم مكونات الهوية فتواجه تحديًا آخر. فالاختصارات والمصطلحات الأجنبية واللغة الهجينة تنتشر بسرعة بين الشباب ليس باعتبارها تطورًا طبيعيًا للغة فقط وإنما أحيانًا على حساب القدرة على التعبير السليم والارتباط بالتراث اللغوي والثقافي.

لكن الحل ليس بإغلاق الأبواب أمام العالم ولا بمحاربة التكنولوجيا فهذا أمر مستحيل وغير مطلوب. الحل هو أن ندخل إلى هذا العالم بثقافتنا لا أن ندخله فارغين من هويتنا.

نحتاج إلى محتوى عربي ومصري قوي جذاب حديث قادر على المنافسة يقدم التاريخ والثقافة والفنون والقيم الإنسانية بطريقة يفهمها الشباب ويقبل عليها. كما نحتاج إلى تعليم الأجيال الجديدة مهارات التفكير النقدي حتى لا تتحول كل صورة أو معلومة أو «ترند» إلى حقيقة مسلم بها.

الهوية لا تعني الانغلاق والثقافة لا تعني رفض الآخر. الهوية القوية هي التي تعرف نفسها جيدًا وتنفتح على العالم دون أن تفقد ملامحها.

إن معركة الهوية اليوم لم تعد تخاض فقط في المدارس والجامعات والكتب وإنما تخاض أيضًا على شاشة الهاتف. ومن يملك المحتوى يملك جزءًا من تشكيل الوعي. لذلك فإن حماية الهوية الثقافية ليست مسؤولية الأسرة وحدها ولا المدرسة وحدها ولا الدولة وحدها بل مسؤولية مجتمع بأكمله.

فالسؤال الحقيقي ليس: هل نستطيع منع السوشيال ميديا من التأثير في أبنائنا؟
وإنما: هل نستطيع أن نقدم لهم من الثقافة والوعي ما يجعلهم قادرين على اختيار ما يؤثر فيهم؟

هذه هي المعركة الحقيقية.. أن نستخدم التكنولوجيا دون أن تستخدمنا وأن ننفتح على العالم دون أن نفقد أنفسنا.

تم نسخ الرابط