عاجل

من حلف عدم الانحياز إلى التكتلات متعددة الأقطاب.. كيف تحولت العلاقات المصرية–الصينية إلى محور ارتكاز للشرق الأوسط وأفريقيا؟
قلّما تجد في تاريخ العلاقات الدولية شراكة صمدت أمام تقلبات سبعة عقود متتالية، وخرجت من كل محطة أكثر رسوخاً مما كانت عليه، كما هو الحال مع العلاقة الاستثنائية بين القاهرة وبكين. فهذه العلاقة لم تكن يوماً مجرد بروتوكولات دبلوماسية مدوّنة في أرشيف الوزارات، بل تحولت مع الوقت إلى قوة دفع حقيقية أعادت ترتيب أوراق المنطقة بأسرها، اقتصادياً وسياسياً على حد سواء. ومنذ اللحظة التي أصبحت فيها القاهرة أول عاصمة عربية وأفريقية تعترف رسمياً بجمهورية الصين الشعبية عام 1956، وحتى إعلان "الشراكة الاستراتيجية الشاملة" عام 2014، ظلت هذه الروابط صلبة ومحصّنة أمام كل الزلازل الجيوسياسية التي عصفت بالمنطقة والعالم.
والسؤال الذي يطرح نفسه اليوم: كيف استطاعت علاقة بين دولتين، تفصل بينهما آلاف الكيلومترات واختلاف عميق في اللغة والثقافة والنظام السياسي، أن تتحول إلى واحدة من أكثر الشراكات استقراراً في تاريخ العلاقات الدولية الحديثة؟ الإجابة تكمن في جذور هذه العلاقة نفسها، وفي الفهم المشترك بين القاهرة وبكين لمعنى السيادة والاستقلال الوطني بعيداً عن أي وصاية خارجية.

جذور تمتد إلى زمن التحرر الوطني:

لم تولد هذه الشراكة من فراغ، بل جاءت في سياق تاريخي بالغ الدلالة؛ ففي منتصف خمسينيات القرن الماضي، كانت مصر تخوض معركتها الخاصة من أجل استكمال استقلالها وتحرير قرارها الوطني من أي هيمنة خارجية، وكانت الصين بدورها في مرحلة بناء دولتها الحديثة بعد عقود من الانقسام والاحتلال. وفي هذا المناخ المشترك من التطلع نحو الاستقلال والكرامة الوطنية، وجدت القاهرة وبكين لغة مشتركة تجاوزت حدود الجغرافيا والثقافة.
وقد جسّد اعتراف مصر بجمهورية الصين الشعبية عام 1956 موقفاً سياسياً جريئاً في زمن كانت فيه موازين القوى الدولية شديدة الحساسية، وشكّل هذا القرار سابقة تاريخية جعلت من مصر بوابة الصين إلى العالم العربي والأفريقي بأكمله. ومنذ تلك اللحظة، تطورت العلاقة بثبات عبر عقود متعاقبة، متجاوزة حقبة الحرب الباردة بتوتراتها، ومرحلة ما بعد الاستقطاب الأحادي، وصولاً إلى عالم اليوم متعدد الأقطاب.
من العلاقات الثنائية إلى الشراكة الاستراتيجية الشاملة
شكّل عام 2014 محطة فارقة في مسار هذه العلاقة، حين ارتقت القاهرة وبكين بتعاونهما إلى مستوى "الشراكة الاستراتيجية الشاملة"، وهي أعلى درجات التصنيف الدبلوماسي في السياسة الخارجية الصينية، ولا تمنحها بكين إلا لعدد محدود من الدول التي تحظى بثقة استراتيجية عالية. ولم يكن هذا الارتقاء مجرد تغيير في المسمى الدبلوماسي، بل ترجمة حقيقية لتوافق عميق بين رؤيتين تنمويتين تسعى كل منهما لتحقيق أهداف متقاربة عبر مسارات مختلفة.
فمن جانبها، أطلقت مصر "رؤية مصر 2030" كخارطة طريق شاملة لتحويل البلاد إلى مركز لوجستي وصناعي إقليمي يستفيد من موقعها الجغرافي الفريد كنقطة التقاء بين ثلاث قارات. وفي المقابل، أطلقت الصين مبادرة "الحزام والطريق" التي تبحث عن نقاط ارتكاز آمنة ومستقرة لربط شبكات التجارة العالمية بين آسيا وأفريقيا وأوروبا. وحين التقت الرؤيتان، وجدت بكين في القاهرة الشريك المثالي الذي يجمع بين الاستقرار السياسي النسبي، والموقع الجغرافي الاستراتيجي، والعمق التاريخي والحضاري الذي يمنح أي تعاون معه بعداً رمزياً يتجاوز حسابات المصلحة الاقتصادية البحتة.

شراكة الأرقام والمشروعات القومية الكبرى:

لم تعد العلاقات بين البلدين تُدار اليوم بلغة المجاملات الدبلوماسية التقليدية، بل باتت تُقاس بلغة الأرقام والمشروعات التنموية الملموسة على الأرض. ولعل أبرز تجليات هذا التحول يظهر بوضوح في مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، حيث ساهمت الشركات الصينية في إعادة صياغة الملامح المعمارية لحي المال والأعمال بالكامل، وتوّج هذا التعاون بتشييد "البرج الأيقوني"، أطول ناطحة سحاب في أفريقيا، برأس مال وخبرة هندسية صينية متقدمة جسّدت قدرة البلدين على إنجاز مشروعات عملاقة في زمن قياسي.
ولم يقتصر التعاون على قطاع العقارات والبنية التحتية العمرانية فحسب، بل امتد ليشمل قطاعات حيوية أخرى لا تقل أهمية. ففي مجال النقل، جرى تنفيذ مشروع القطار الكهربائي الخفيف الذي يربط العاصمة الإدارية الجديدة بمحيطها العمراني، بتمويل وتقنيات صينية متطورة، في خطوة تعكس رغبة مصر في تحديث منظومة النقل العام بالكامل. وفي موازاة ذلك، شهد قطاع الطاقة توسعاً ملحوظاً في مشروعات الطاقة المتجددة بالشراكة مع كبرى الشركات الصينية، بما يخدم التوجه المصري نحو التحول الأخضر وتنويع مصادر الطاقة بعيداً عن الاعتماد الكامل على الوقود الأحفوري.
وفي البعد المالي، الذي يُعد من أكثر الأبعاد دلالة على عمق الثقة المتبادلة بين البلدين، أقدمت مصر على خطوة لافتة بإصدار ما يُعرف بـ"سندات الباندا"، وهي سندات تصدرها جهات أجنبية بالعملة الصينية داخل السوق المالية الصينية. وتحمل هذه الخطوة دلالة استراتيجية تتجاوز حدود التمويل التقليدي، إذ تعكس توجهاً مصرياً واضحاً نحو تنويع مصادر التمويل الخارجي والدخول في معاملات نقدية بعملات محلية بديلة عن الدولار الأمريكي، بما يخفف الضغط على احتياطي مصر من العملات الأجنبية، ويمنحها هامش مناورة أوسع في إدارة سياساتها الاقتصادية.

من الثنائية إلى الفضاء الدولي الأوسع:

لم يعد التنسيق بين القاهرة وبكين محصوراً في الإطار الثنائي الضيق، بل اتسع ليشمل فضاءات دولية أرحب، وعلى رأسها تكتل "بريكس" الذي انضمت إليه مصر مؤخراً، لتصبح جزءاً من تجمع اقتصادي يضم بعضاً من أكبر الاقتصادات الناشئة في العالم. وقد فتح هذا الانضمام آفاقاً جديدة أمام القاهرة للتعاون مع بكين ضمن منظومة أوسع تسعى إلى إعادة صياغة قواعد النظام المالي والاقتصادي الدولي بما يخدم مصالح دول الجنوب العالمي.
وفي هذا السياق، لم تعد الصين تنظر إلى مصر كشريك تجاري تقليدي فحسب، بل كحليف استراتيجي قادر على لعب دور محوري في تشكيل نظام دولي أكثر توازناً وتعددية قطبية، بعيداً عن هيمنة قوة واحدة على مقدرات العالم. وبالمقابل، ترى القاهرة في هذه الشراكة فرصة ذهبية لتعزيز موقعها كمركز إقليمي فاعل يربط بين أفريقيا والشرق الأوسط وآسيا، ويمنحها أوراق قوة إضافية في مفاوضاتها الاقتصادية والسياسية على الساحة الدولية.
خلاصة.. شراكة تصنع الاستقرار في زمن الاضطراب
حين ننظر إلى المسار الطويل الذي قطعته العلاقات المصرية–الصينية على مدار سبعة عقود، نجد أننا أمام نموذج نادر لشراكة دولية استطاعت أن تتجاوز اختبار الزمن بكل تحدياته وتقلباته. فمن اعتراف سياسي جريء في خمسينيات القرن الماضي، إلى شراكة استراتيجية شاملة تُترجم اليوم إلى ناطحات سحاب وقطارات كهربائية وسندات مالية بعملات محلية، تثبت هذه العلاقة أن الشراكات الحقيقية بين الدول لا تُبنى على المصالح الآنية العابرة، بل على الاحترام المتبادل للسيادة الوطنية والفهم العميق لتطلعات كل طرف.
وفي عالم يعيش اليوم حالة من عدم اليقين واسعة النطاق، تزداد أهمية النماذج التي تثبت أن التعاون المتكافئ بين الدول لا يزال ممكناً، وأن العلاقات المصرية–الصينية، بكل ما راكمته من ثقة وإنجازات ملموسة على مدار عقود طويلة، تمثل بالفعل صمام أمان تنموي وسياسي حقيقي، يؤكد أن الشراكات المبنية على المصالح المتكافئة وتبادل المنفعة هي الوجه الحقيقي لاستقرار الدول وازدهارها في الأوقات العصيبة التي يمر بها النظام الدولي.

تم نسخ الرابط