أحيانًا أشعر أننا أخطأنا طويلًا في تعريف كلمة «النجاح». فقد كنا نظن أن النجاح يحتاج إلى علم، وخبرة، واجتهاد، وصبر، وأن من يملك هذه الأدوات هو الأحق بالوصول.
لكن يبدو أن هناك مدرسة أخرى للنجاح لم ننتبه إليها بما يكفي.. مدرسة الفهلوة.
في هذه المدرسة لا تحتاج بالضرورة إلى أن تعرف كيف تفعل الشيء، يكفي أن تعرف كيف تجعل الآخرين يعتقدون أنك تستطيع فعله. لا تحتاج دائمًا إلى الخبرة، فالعلاقات قد تختصر الطريق. ولا تحتاج إلى أن تكون الأفضل، يكفي أحيانًا أن تكون الأسرع في اقتناص الفرصة.
وهكذا ظهر بيننا نوع جديد من «نوابغ الزمان».. أناس لا يدهشونك بما يعرفون، وإنما بما يستطيعون الوصول إليه رغم أنهم لا يعرفون!
أحدهم قد يفشل في إنجاز أبسط مهمة، لكنه يمتلك قدرة عجيبة على إقناعك بأن المشكلة ليست فيه وإنما في الظروف.
وآخر لا يملك المؤهلات الكافية، لكنه يعرف جيدًا من يجب أن يتصل به.وثالث لا ينجح بالعمل الشاق، لكنه يملك موهبة استثنائية في الظهور وقت توزيع النتائج!
هناك عبارة تصلح شعارًا رسميًا لهذه المدرسة:سيبها عليّ.
لا أحد يعرف ماذا سيحدث بعد هذه الجملة، لكن قائلها يقولها بثقة تجعلك تشعر أن الموضوع انتهى بالفعل.
المشكلة أن «سيبها عليّ» تحولت عند البعض من وعد بالمسؤولية إلى وسيلة للهروب منها.لا يعرف الحل؟ سيجد طريقة.لا يستطيع تنفيذ المطلوب؟ سيجد شخصًا آخر ينفذه.لا يملك الإجابة؟ سيتحدث حتى تنسى السؤال.
وفي النهاية، إذا نجح، أصبح عبقريًا، وإذا فشل، كانت الظروف هي المسؤولة.
من عجائب الفهلوة أنها تمنح صاحبها حصانة ضد الاعتراف بالفشل.إذا خسر المنافسة قال: لم أكن مهتمًا أصلًا.إذا لم يحصل على الوظيفة قال: الوظيفة لا تناسب طموحي.
إذا فشل مشروعه قال: السوق لا يفهم.وإذا سبقه شخص أكثر كفاءة، فهناك تفسير جاهز دائمًا:ده محظوظ.
وهكذا يعيش الفهلوي مرتاح الضمير؛ لأنه لا يرى نفسه مهزومًا في أي معركة.إنه فقط «اختار ألا يفوز»!لكن المشكلة ليست في الفهلوي وحده فلو كان الأمر مجرد أفراد يحبون اختصار الطريق، لما كان الموضوع يستحق كل هذا القلق.
المشكلة الحقيقية تبدأ عندما يصبح المجتمع نفسه مكافئًا لهذا السلوك.حين تصبح الواسطة أحيانًا أقوى من الكفاءة.
حين يحصل صاحب العلاقات على فرصة أسرع من صاحب الخبرة.حين نعتبر الالتزام بالقواعد نوعًا من السذاجة، والتحايل عليها نوعًا من الذكاء.وحين نقول عن شخص حصل على ما لا يستحق: «والله شاطر.. عرف يتصرف».
هنا يجب أن نتوقف قليلًا.لأننا لا نصف الفعل فقط، وإنما نمنحه شرعية اجتماعية.نحن نعلّم أبناءنا، من دون أن نشعر، أن الاجتهاد جميل، لكن «المصلحة» أهم.وأن الطريق المستقيم محترم، لكن الطريق المختصر أكثر فاعلية.
المشكلة أن الفهلوة قصيرة العمرقد تكسب الفهلوة معركة، لكنها لا تستطيع أن تكسب الحرب دائمًا.قد تساعد صاحبها في الحصول على وظيفة، لكن ماذا سيفعل عندما يبدأ العمل؟
قد توصله إلى موقع، لكن ماذا سيفعل عندما يصبح القرار في يده؟قد تفتح له بابًا، لكنها لا تمنحه بالضرورة القدرة على البقاء داخله.
وهنا يظهر الفارق بين من يعرف كيف يصل ومن يعرف ماذا يفعل بعد الوصول.الأول قد يلفت الأنظار سريعًا.أما الثاني، فيبني شيئًا يستحق أن يستمر.
نحتاج إلى إعادة تعريف «الشطارة»ليس عيبًا أن يكون الإنسان ذكيًا، سريع البديهة، قادرًا على إيجاد الحلول.
لكن هناك فارقًا بين أن تستخدم ذكاءك لتجاوز العقبات، وأن تستخدمه لتجاوز القواعد.الفارق صغير في الكلام، لكنه كبير جدًا في النتائج.أن تكون شاطرًا يعني أن تعرف كيف تنجز عملك.أما أن تكون فهلويًا، فقد يعني أحيانًا أنك تعرف كيف تجعل غيرك ينجز العمل عنك.
ولهذا ربما نحتاج إلى مراجعة قاموسنا الاجتماعي.ليس كل من وصل ناجحًا.وليس كل من تأخر فاشلًا.وليس كل من عرف «الناس الصح» يستحق المكان الصحيح.
فالنجاح الحقيقي ليس أن تصل بأي طريقة، وإنما أن تصل وأنت قادر على أن تقول:أنا هنا لأنني أستحق أن أكون هنا.
أما «نوابغ الزمان» الذين يتقنون لعبة الفهلوة، فربما يستحقون لقبًا آخر:نوابغ الوصول.. لا نوابغ الإنجاز.
والفرق بين الاثنين، في رأيي، هو الفرق بين مجتمع يكافئ الكفاءة، ومجتمع يصفق لمن عرف