سؤال بريء في ظل متابعة الشأن العام، والانغماس في تغطية جزء من تفاصيله، هذا سؤال إلى دولتكم، إذ إن إجابات الوزراء المعنيين بالإجابة على السؤال في أكثر من مناسبة لم تكن مباشرة حاسمة، وإنما ذاهبة إلى أبعاد أكثر تعقيدًا لتهميش السؤال، وبالتالي عدم الجدوى من اتساع المساحة للإجابة، وبالتالي ترك الفراغ للتحليل والتنظير!
في زحمة الملفات والأزمات التي تشغل بال الدولة والمجتمع معًا، يظل ملف التعليم هو الأخطر والأكثر إلحاحًا، لأنه لا يصنع أزمة عابرة، بل يصنع أجيالًا كاملة. اليوم، تستحق العملية التعليمية وقفة جادة من القمة، فالأمر لم يعد يحتمل التأجيل.
المشهد التعليمي يعاني من اختلالات بنيوية متراكمة:
قبول طلاب جدد في كليات المجموعة الطبية بجامعات خاصة تفتقر إلى مستشفيات جامعية تؤهلهم عمليًا.
قبول آخرين بمجاميع متدنية لا تتناسب مع طبيعة التخصص، طالما توافرت القدرة المادية على الدفع مقابل الشهادة.
يضاف إلى ذلك التوسع في إنشاء كليات دون دراسة حقيقية لاحتياجات سوق العمل، وسط تجاهل شبه كامل لمطالبات النقابات المهنية المتكررة بضبط معايير القبول والتخرج.
غير أن النظام التعليمي في مرحلة الثانوية العامة وما قبلها في التعليم الأساسي بات عاجزًا عن تأهيل الطالب فعليًا لمرحلة جامعية جادة، فيما تتوالى أجيال من الخريجين لا تملك الحد الأدنى من المهارات العملية، أو الرصيد المعرفي، اللازمَيْن لبدء ممارسة مهنتها، ما ينعكس على سوق العمل من تدنٍّ وفراغ من الكفاءات، ومن ثم إلى ما آلت إليه الأمور الآن.
والنتيجة أن مهندسًا يعمل كاشيرًا، لأنه لم يجد مكانًا للعمل كمهندس، وحينما يخرج لواقع تكون الهندسة غير التي تعلمها في محراب العلم الذي قَدُم وشاخ، أو ربما لأنه دخلها بالخطأ أو بـ"الفلوس"، أو سبب غير منطقي لكنه بات واقعًا نعيشه ويؤلمنا.
وطبيبًا يعمل خياطًا، أو صيدلانيًا يعمل بائعًا لأنه لم يجد تكليفًا للعمل وكسب الخبرة وتكوين المستقبل وفق آمال وتطلعاته هو وأسرته.
وخريج علوم يعمل في عصارة قصب، خريج كلية أنجبت يومًا مصطفى مشرفة وسميرة موسى الآن عاملًا باليومية بدلاً من أن يصبح عالمًا يختصر علينا سنين الزمن الفارقة بيننا وبين مجتمعات كانت تتأخر عنا في وقت سابق من عداد الزمن الذي لا يتوقف بينما نحن متوقفون! أو ربما نتحرك في اتجاهات ووجهات لا نعلمها فتهنا، فهلا تُخرجوننا من التيه؟ هل نتدارك ونعود لليقظة؟
بعد أن كليات كانت يومًا مفرخة للسياسيين والدبلوماسيين، أصبح بعض خريجيها يعملون في محامص اللب، هذا الذي باع لي اللب والسوداني الليلة كان يطمح وهو طالب أن يصبح ذات يوم سفيرًا أو قنصلًا ممثلًا لبلاده.
الأخطر من ذلك أن تخصصات حساسة كالطب والهندسة والتعليم باتت تستقبل طلابًا بمجاميع لا تتجاوز الـ65%، بينما تشترط الجامعات الحكومية لذات التخصصات مجموعًا يتجاوز الـ95%.
وهكذا نجد أطباء لا علاقة حقيقية لهم بأصول المهنة، ومهندسين لا يجيدون التخطيط والبناء، ومعلمين يعجزون عن النطق السليم للغتهم الأم.
كل هذه المؤشرات تتراكم في ظل خطاب رسمي متكرر عن "تطوير التعليم"، فأين هذا التطوير على أرض الواقع؟
إن الفجوة بين الخطاب والممارسة تتسع يومًا بعد آخر، وثمنها يدفعه المجتمع بأكمله، صحةً وهندسةً وتعليمًا وإدارةً.
المطلوب ليس بيانات تطمين جديدة، بل مراجعة جذرية وشجاعة لمنظومة القبول والتعليم والتخرج، بعد أن تحولت الشهادات الجامعية إلى أوراق بلا مضمون.
وهذا سؤال يستحق الإجابة: إذا كان هذا هو "البناء".. فكيف يبدو الهدم؟