من التعاطف إلى الطرد.. كيف تحول الإسرائيليون إلى منبوذين في أوروبا؟
تستمر مظاهر الرفض الشعبي لسلوك إسرائيل في قطاع غزة بالاتساع عبر القارة الأوروبية ودول العالم، حيث لم يعد التأثير مقتصرًا على الأروقة الدبلوماسية، بل امتد ليتجسد ميدانيًا في تحركات احتجاجية، وتراجع سياحي، وضغوط شعبية متزايدة نحو المقاطعة وفرض العقوبات.
ملاحقات سياحية وتغيير للمسارات في المتوسط
في 22 يوليو الماضي، احتج عشرات المواطنين اليونانيين في جزيرة سيروس ضد رسو السفينة السياحية الإسرائيلية "كراون إيريس" التابعة لشركة "مانو ماريتايم"، والتي تحمل على متنها 1600 إسرائيلي وتتنقل بين حيفا وقبرص واليونان.
رفع المحتجون لافتات "أوقفوا الإبادة في غزة" وهتفوا "فلسطين حرة"، ما أجبر قبطان السفينة على تغيير مسارها، وتكررت الحادثة في 28 يوليو عند رسو السفينة نفسها في جزيرة رودس، إذ هبط 600 سائح وسط حراسة أمنية مشددة ومواجهات بين المحتجين والأمن، في وقت عبر فيه سياح عن أملهم في حماية السلطات اليونانية لهم.

وفي غرب أوروبا، تداولت منصات التواصل مقاطع فيديو تظهر طرد سياح إسرائيليين من مطاعم، بينها حادثة في إيطاليا برأت المحاكم لاحقا السيدة المعنية فيها من تهمة "معاداة السامية"، وأخرى في إسبانيا حيث صوّر صاحب مطعم نفسه وهو يصرخ في وجه سياح إسرائيليين مطاردًا إياهم بقوله: "اذهبوا لغزة وابحثوا عن الطعام هناك".
تصنيف إسرائيلي للمخاطر وتوجيهات أمنية
دفعت هذه الأحداث الحكومة الإسرائيلية إلى تصنيف دول أوروبية سياحية رئيسية، مثل إسبانيا وإيطاليا واليونان وفرنسا، في المستوى الثاني من الخطورة (من أصل 4 درجات).
وأوضح الناطق باسم السفارة الإسرائيلية في فرنسا، هِن فيدر، أن التوجيهات الصادرة للسياح الإسرائيليين باتت توصي بعدم إظهار أية شعارات تثبت هويتهم، والابتعاد عن التجمعات الجماهيرية والمظاهرات المؤيدة لفلسطين التي باتت تملاء العواصم.
وكانت العاصمة الفرنسية باريس قد شهدت خلال فترة الألعاب الأولمبية احتجاجات ومظاهرات طالبت بفرض عقوبات على إسرائيل، ووقف الحرب، ومقاطعة مشاركتها، أو إجبار رياضييها على المشاركة تحت علم محايد أسوة بروسيا وبيلاروسيا، وهي مظاهرات تكررت في مدن كبرى مثل لندن وبرشلونة.

تحول الرأي العام الإسكندنافي وتصاعد خيار المقاطعة
يعود الجذور التاريخية لهذا التحول إلى محطات سابقة، ففي عام 2014 نشرت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل" تقريرًا يستعرض أسباب البرود الإسكندنافي تجاه تل أبيب، متزامنًا مع إعلان رئيس الوزراء السويدي الأسبق ستيفان لوفين اعتراف بلاده بدولة فلسطين، ودعوات وزير الخارجية الدنماركي الأسبق مارتن ليدجارد والفنلندي إركي تيوميويا لاتخاذ إجراءات تجارية ورادعة ضد إسرائيل احتجاجًا على عدوان 2014، والذي أسفر حينها وفق تقرير المرصد الأورومتوسطي لحقوق الإنسان عن 1742 شهيدًا (81% منهم مدنيون، بينهم 530 طفلًا و302 امرأة).
وحاليًا، يتسع هذا التوجه الشعبي، حيث أظهر استطلاع رأي أجرته شركة "إبينيون" (Epinion) لصالح هيئة الإذاعة الدنماركية ونشره موقع "ذا دانيش دريم" أن 57% من الدنماركيين يرى أن الرد الإسرائيلي في غزة مبالغ فيه (ارتفاعًا من 45% قبل 9 أشهر). كما شهد مهرجان "روسكيلد" الموسيقي الدنماركي مشاركة فنانين وناشطين أعلنوا تضامنهم الصريح مع غزة.
وفي النرويج، كشف استطلاع أجرته صحيفة "فِردِنس غانغ" أن 47% من النرويجيين يؤيدون مقاطعة إسرائيل مقابل 27% يعارضونها، فيما يرى 31% أن حكومة بلادهم لا تفعل ما يكفي لدعم الفلسطينيين، ويؤيد 37% موقف الحكومة المتمثل في الإدانة الصريحة، مقابل 6% فقط يطالبون بدعم أكبر لإسرائيل.

ضغط شعبي في اليونان وفرنسا
في اليونان، نقل موقع "ميديا بارت" الفرنسي عن منسقين في حملة "مسيرة اليونان إلى غزة" تنظيم احتجاجات في نحو 120 جزيرة بمشاركة عشرات الآلاف للضغط على حكومة أثينا ومناهضة استخدام البلاد كوجهة استجمام لجنود جيش الاحتلال.
وأوضح سوتيريس روسوس، أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بيلوبونيز، أن التحالف السياسي والعسكري الذي بنته اليونان مع إسرائيل خلال السنوات الماضية لم يمنع تشكل ضغط شعبي واسع يرفض الوجود الإسرائيلي، وظهر ذلك في اعتراض محتجين يونانيين لسفينة حملت معدات عسكرية متجه لإسرائيل في يوليو الماضي.
وفي فرنسا، أظهر استطلاع لموقع "بيبليك سينا" (التابع لمجلس الشيوخ) أن:
- 74% من المشاركين يؤيدون فرض عقوبات على إسرائيل في حال استمرار هجومها.
- 75% يؤيدون وقف توريد الأسلحة لإسرائيل.
- 63% يدعمون قرار الاعتراف بدولة فلسطين.
- 62% يؤيدون تعليق اتفاقية الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل.
- 58% يدعمون فرض حظر على المنتجات الإسرائيلية.
- 48% يؤيدون استبعاد إسرائيل من المسابقات الرياضية والفنية الدولية مثل "يوروفيجن" والتصفيات الكروية.
ويرتفع تأييد العقوبات إلى 95% بين أنصار يسار "فرنسا الأبية" والحزب الاشتراكي، و82% بين أنصار حزب الخضر وحزب النهضة، ويصل إلى 59% لدى مؤيدي "التجمع الوطني" اليميني المتطرف.
مؤشرات مركز "بيو" وتراجع المكانة الدولية
وفقًا لاستطلاعات مركز "بيو" للأبحاث بواشنطن، فإن نصف البالغين أو أكثر في 20 دولة من أصل 24 دولة شملها البحث يحملون رأيًا سلبياً تجاه إسرائيل.
وتبلغ هذه النسبة ثلاثة أرباع الاستجابات في أستراليا، اليونان، إندونيسيا، اليابان، هولندا، إسبانيا، السويد، وتركيا. وفي الولايات المتحدة، ارتفعت النسبة المئوية للبالغين الذين يحملون رأيًا سلبيا تجاه إسرائيل بمقدار 11% بين مارس 2022 ومارس 2025، بينما ارتفعت نسبة منتقدي إسرائيل في بريطانيا من 44% عام 2013 إلى 61%.
وتشير البيانات إلى انخفاض حاد في الثقة برئيس الوزراء بنيامين نتنياهو لدى ثلاثة أرباع البالغين في أغلب هذه الدول، لا سيما بين الفئات الشابة والأوساط اليسارية والوسطية.
وينعكس هذا الواقع داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث يقر 58% من الإسرائيليين بأن بلادهم لم تعد تحظى بالاحترام في العالم، وتنخفض نسبة من يراها محترمة دولياً إلى 24% فقط لدى اليسار الإسرائيلي مقابل 49% لدى اليمين.



