عاجل

قبل أن يظهر سندباد البحري في الحكايات العربية بقرون طويلة، كان المصري القديم قد عرف حكاية أخرى عن البحر والمغامرة والنجاة. حكاية بطل يخرج في رحلة، تغدر به الأمواج، فيجد نفسه وحيداً في جزيرة مجهولة، ثم يعود إلى بلده محمّلاً بتجربة لا تُنسى.

إنها قصة الملاح الغريق، واحدة من أقدم الحكايات الأدبية التي تعود إلى عصر الدولة الوسطى، ذلك العصر الذي ازدهرت فيه الحكايات التي اقتربت من الإنسان ومخاوفه وتجارب حياته. كُتبت على بردية محفوظة اليوم في متحف الأرميتاج بمدينة سان بطرسبرج.

تبدأ القصة بعودة أحد كبار رجال الإدارة من بعثة إلى الجنوب، وهو قلق من مواجهة الملك، فيحاول أحد رفاقه التخفيف عنه، ويروي له كيف نجا بعد أن تحطمت سفينته في عاصفة عاتية، وقذفته الأمواج إلى جزيرة مجهولة.

هناك، تهتز الأرض من تحت قدميه، ويظهر أمامه ثعبان عملاق يلمع جسمه بالذهب واللازورد، ويبلغ طوله ثلاثين ذراعًا. وبينما يتوقع البحار الأسوأ، يطمئنه الثعبان: «لا تخف، لقد أراد لك القدر أن تنجو»، ويخبره بأنه سيبقى في الجزيرة أربعة أشهر، ثم تأتي سفينة تعيده إلى بلده.

لكن الثعبان يروي له قصته في محاولة لطمأنته؛ فقد عاش مع خمسة وسبعين من أسرته، بينهم ابنته الصغيرة، حتى سقط نجم من السماء فأفناهم جميعاً، ولم ينجُ منهم سوى هو. وهنا يتحول اللقاء بين الناجيين، الإنسان والثعبان، إلى لحظة إنسانية لافتة، إذ يجد كل منهما في الآخر من يفهم معنى الفقد، ويعرف أن النجاة قد تأتي بعد أقسى المحن.

وبعد أربعة أشهر تصل السفينة المنتظرة، فيعود الملاح إلى مصر محملًا بهدايا الجزيرة، ويلتقي بالملك الذي يكرمه، لتعود الحكاية في نهايتها إلى إطارها الأول، حيث يستمع الرجل القَلِق إلى قصة الملاح.

ما يميز قصة الملاح الغريق فنياً هو بناؤها الروائي المحكم؛ فهي تُعد من أقدم الأمثلة على أسلوب عرف بأسلوب القصة ضمن القصة. فلدينا في البداية قصة رجل يخشى مواجهة الملك، ثم تأتي داخلها قصة الملاح، وداخل قصة الملاح تأتي قصة الثعبان. أي أننا أمام ثلاثة مستويات متداخلة من الحكي.

هذا التشابك بين الحكايات داخل بعضها جعل الملاح الغريق نموذجًا مبكرًا لفن سردي عرفته الآداب العالمية بعد ذلك بزمن طويل، واشتهر لاحقًا في أعمال مثل ألف ليلة وليلة. كما أن أجواء الرحلة والمغامرة ثم العودة إلى الوطن بتجربة تستحق أن تُروى، دفعت بعض الباحثين إلى مقارنته بمغامرات السندباد والأوديسة الإغريقية.

والأهم أن الحكاية تكشف جانبًا إنسانيًا من الحضارة المصرية القديمة، فتقدم مجتمعًا عرف السفر والمغامرة، وحوّل التجربة الإنسانية إلى أدب وحكاية.

وربما تكمن قوة الملاح الغريق في أنه، رغم مرور نحو أربعة آلاف عام على حكايته، لا يزال يعكس تجارب إنسانية نعيشها حتى اليوم؛ من الخوف أمام المجهول، إلى مواجهة الأزمات التي تأتي فجأة، ثم البحث عن طريق للنجاة واستعادة التوازن. فالحكاية لا تتوقف عند تجاوز المحنة، بل تلتقط ما تتركه في الإنسان من خبرة وقدرة أكبر على مواجهة الحياة، وتترك وراءها معنى بسيطاً وعميقاً: أن أصعب المحن ليست بالضرورة نهاية الطريق، وأن الصبر قد يكون أول خطوة نحو النجاة.

وربما يكون هذا هو أجمل ما في الملاح الغريق؛ فهي لا تكشف فقط عن خيال المصري القديم وقدرته على بناء الحكاية والتشويق، بل تذكّرنا أيضًا بأنه كان يعرف كيف يحوّل تجربة إنسانية إلى حكاية تبقى حاضرة رغم مرور آلاف السنين، وتستحق أن تُروى من جديد.

تم نسخ الرابط