من أكثر الجمل التي استهلكناها لسنوات أن الشباب هم «مستقبل الوطن» جملة صحيحة، لكنها فقدت كثيرا من معناها من كثرة ما قيلت دون أن يصاحبها دائما ما يكفي من أدوات المشاركة، الشباب لا يريدون أن يكونوا مستقبلا مؤجلا، هم موجودون الآن، ويتعلمون ويعملون ويبتكرون ويخوضون معارك الحياة، ومن الطبيعي أن يكون لهم مكان واضح في صناعة الحاضر، وليس فقط في انتظار الغد.
من هنا تأتي أهمية التوجيه الرئاسي بشأن إنشاء منصة وطنية للشباب، يتولى الرئيس عبد الفتاح السيسي رئاستها بنفسه، المسألة في جوهرها ليست منصة إلكترونية جديدة تضاف إلى عشرات المنصات الموجودة، وإنما فرصة لبناء مساحة مختلفة تتعامل مع الشباب باعتبارهم أصحاب أفكار ومبادرات، وليسوا فقط مستفيدين من برامج أو خدمات.
الفكرة تستحق الاهتمام لأن المشكلة لم تكن يوما في غياب الأفكار لدى الشباب، على العكس، لدينا أعداد كبيرة من الشباب الذين لديهم أفكار لمشروعات، ومبادرات لخدمة مجتمعاتهم، ورؤى لتطوير الخدمات، وتجارب ناجحة بدأت بإمكانات بسيطة، المشكلة الحقيقية كانت في المسافة بين الفكرة والمؤسسة، شاب لديه اقتراح، لكن لا يعرف إلى من يقدمه، مبادرة ناجحة، لكنها تظل محلية ولا تجد من يساعدها على التوسع، مجموعة من الشباب تريد التطوع، لكنها لا تجد إطارا واضحا تنتظم من خلاله، وهنا يمكن أن تكون المنصة مختلفة.
إن المنصة الناجحة ليست التي تستقبل أكبر عدد من الأفكار، وإنما التي تستطيع أن تقول لصاحب الفكرة: ماذا حدث لاقتراحك؟ هل تمت دراسته؟ هل يحتاج إلى تعديل؟ هل يمكن تنفيذه؟ ومن الجهة التي يمكن أن تتبناه؟
هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الفارق بين منصة حقيقية ومنصة تؤدي وظيفة شكلية، وأعتقد أن واحدة من أهم الفرص التي يمكن أن تقدمها المنصة هي إعادة الاعتبار إلى ثقافة العمل التطوعي، التطوع في مجتمع كبير مثل مصر لا ينبغي أن يظل مرتبطا بمبادرات موسمية أو حملات محدودة، وإنما يمكن أن يتحول إلى ثقافة مستمرة، وإلى مساحة يتعلم فيها الشباب معنى المسؤولية والعمل الجماعي.
الشاب الذي يشارك في مبادرة لتطوير مدرسة في قريته يتعلم شيئا مختلفا عن الذي يسمعه في محاضرة عن المسؤولية المجتمعية، والذي ينظم حملة للتشجير أو لمساعدة كبار السن أو لمحو الأمية يكتسب خبرة حقيقية في الإدارة والتواصل وحل المشكلات، وفي كل هذه التجارب يتكون شيء أكبر من المبادرة نفسها: يتكون الإنسان، وهذا هو الجانب الذي يجب ألا نغفله، التنمية ليست مشروعات فقط، التنمية أيضا أن نخلق مواطنا يشعر بأن المكان الذي يعيش فيه يعنيه، وأن مشكلته ليست دائما مسؤولية شخص آخر، الدولة تستطيع أن تبني وتخطط وتمول وتنفذ، لكنها تحتاج في النهاية إلى مجتمع يشارك ويحافظ ويقترح ويراقب.
لذلك فإن تحويل المنصة إلى بوابة للعمل التطوعي سيكون خطوة شديدة الأهمية، يمكن من خلالها تسجيل المبادرات، وربط الشباب بالمؤسسات التي تحتاج إلى جهودهم، وتقديم التدريب، وإظهار التجارب الناجحة، وفتح المجال أمام المبادرات الصغيرة لكي تكبر بدلا من أن تختفي بعد فترة قصيرة، هناك أيضا قيمة أخرى لا تقل أهمية: اكتشاف الكفاءات، فليس كل شاب لديه القدرة على القيادة يظهر في مؤتمر أو في برنامج تدريبي، أحيانا يظهر القائد الحقيقي عندما يجد مشكلة في محيطه ويقرر أن يفعل شيئا لحلها، يبدأ مع خمسة أشخاص، ثم يصبحون خمسين، ثم تتحول الفكرة إلى مشروع يخدم مئات المواطنين، هذه التجارب هي التي تصنع الشخصية العامة، وتكشف من يستطيع تحمل المسؤولية ومن يستطيع إدارة فريق ومن يمتلك القدرة على تحويل الكلام إلى عمل.
وهنا تحديدا تصبح المنصة استثمارا في المستقبل، وليس مجرد وسيلة للتواصل وتولي الرئيس رئاسة المنصة بنفسه يمنحها وزنا سياسيا كبيرا، لكنه في الوقت نفسه يضع أمامها اختبارا صعبا، فكلما ارتفع مستوى الاهتمام السياسي بالفكرة، ارتفعت معها توقعات الشباب منها، ولذلك فإن النجاح لن يكون في إطلاق المنصة، وإنما في استمرارها، وفي وجود نتائج واضحة يمكن للشباب أن يروها بأنفسهم.
الشاب الذي يقدم فكرة ويجد أنها وصلت إلى جهة الاختصاص، ثم يرى أنها تحولت إلى مشروع، سيقدم فكرة ثانية والذي يرى مبادرته تدرس وتدعم، سيشجع غيره على المشاركة أما إذا انتهت الأمور عند شاشة تسجيل البيانات، فسوف تعود المشكلة القديمة نفسها: كلام كثير، ونتائج قليلة.
المطلوب إذن ألا نبحث عن منصة تجمع الشباب فقط، بل منصة تجعل الشباب ينتجون شيئا، وهذا يتطلب عقلية مختلفة في التعامل مع المشاركة لا ينبغي أن يكون السؤال فقط: ماذا يريد الشباب؟ بل أيضا: ماذا يستطيع الشباب أن يقدموا؟ ما المبادرات التي يمكنهم تنفيذها؟ ما المشكلات التي يستطيعون المساعدة في حلها؟ وكيف يمكن للدولة أن توفر لهم المساحة والإمكانات دون أن تصادر منهم روح المبادرة؟
هذه هي المعادلة الأكثر أهمية، الشباب ليسوا مشكلة تحتاج إلى إدارة، وإنما طاقة تحتاج إلى توجيه، وليسوا جمهورا ينبغي إقناعه دائما، وإنما شركاء يمكن الاعتماد عليهم وبين المعنيين فارق كبير، ولذلك فإن نجاح المنصة الوطنية للشباب سيكون في رأيي مرتبطا بقدرتها على نقل الشباب من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل، من السؤال إلى الاقتراح، ومن الاقتراح إلى المبادرة، ومن المبادرة إلى التطوع، ومن التطوع إلى أثر حقيقي في المجتمع.
عندها فقط يصبح الحديث عن الشباب باعتبارهم قوة وطنية ملهمة أكثر من مجرد شعار، فالمستقبل لا ينتظر أحدا، ومن الأفضل أن نعطي الشباب فرصة لأن يصنعوه بأيديهم.