في لحظة شديدة الأهمية من عمر الاقتصاد المصري، وبينما تخوض الدولة معركة متواصلة لتخفيف أعباء الدين وخفض تكلفة التمويل وتحقيق التوازن بين احتياجات الموازنة وقدرة الاقتصاد على تحمل أعبائه، تأتي فكرة الصكوك الضريبية لتفتح بابًا جديدًا في التفكير المالي والضريبي، عنوانه الأبرز: لماذا لا تتحول الضرائب المستقبلية من مجرد التزام مستقبلي على الممول إلى أداة يمكن أن تسهم في تمويل احتياجات الدولة اليوم؟
هذه ليست مجرد فكرة مالية عابرة، ولا مجرد وسيلة جديدة لسداد الضرائب، وإنما يمكن النظر إليها باعتبارها محاولة لإعادة صياغة العلاقة الاقتصادية بين الدولة والممول، بحيث لا يكون الممول فقط طرفًا يسدد الضريبة، وإنما يمكنه بصورة اختيارية أن يكون شريكًا في توفير التمويل للدولة، ويحصل في المقابل على عائد مناسب، ثم تتم تسوية قيمة الصك وفق القواعد المنظمة مع التزاماته الضريبية المستقبلية.
وقد اكتسبت الفكرة دفعة قوية بعد موافقة السيد الرئيس عبدالفتاح السيسي رئيس الجمهورية على مقترح إصدار صكوك ضريبية يتم تمويلها من جانب الممولين، على أن تخصم قيمتها من مستحقاتهم الضريبية المستقبلية، بعائد جيد ومناسب، بما يسهم في خفض الاحتياجات التمويلية للدولة، ومن ثم تقليل فاتورة خدمة الدين.
وهنا تحديدًا يجب أن نتوقف طويلًا أمام فلسفة هذا القرار.
فالدولة لا تبحث فقط عن أموال جديدة، وإنما تبحث عن أموال أقل تكلفة.
وهذا فارق جوهري.
فكل جنيه تستطيع الدولة توفيره من خلال أداة تمويل ذات تكلفة مناسبة قد يعني في النهاية جنيهًا أقل تدفعه الخزانة في صورة فوائد، وجنيهًا يمكن أن يذهب بدلًا من ذلك إلى التعليم أو الصحة أو البنية الأساسية أو الاستثمار أو الحماية الاجتماعية.
ومن هنا فإن الصكوك الضريبية لا ينبغي النظر إليها باعتبارها مجرد أداة ضريبية، وإنما باعتبارها جزءًا من إدارة أوسع للتمويل العام والدين العام والسيولة داخل الاقتصاد.
والفكرة في أبسط صورها شديدة الذكاء: ممول لديه التزامات ضريبية مستقبلية، والدولة تحتاج إلى سيولة في الوقت الحالي، فيقدم الممول التمويل وفق نظام الصكوك، ويحصل على عائد مناسب، ثم تتم تسوية قيمة الصك والعائد وفق القواعد المنظمة مع التزاماته الضريبية المستقبلية.
أي أننا أمام معادلة جديدة: تمويل اليوم من الممول… في مقابل تسوية ضريبية غدًا.
وهذه المعادلة إذا أحسن تصميمها يمكن أن تحقق مكاسب للطرفين.
الدولة تحصل على سيولة.
والممول يحصل على عائد.
والخزانة تقلل احتياجاتها من الاقتراض التقليدي.
والاقتصاد يستفيد من أداة تمويل محلية جديدة.
لكن هنا تبدأ الأسئلة الحقيقية.
هل تستطيع الصكوك الضريبية بالفعل أن تخفض تكلفة التمويل؟
هل سيكون العائد جذابًا للممول وفي الوقت نفسه أقل من تكلفة الاقتراض التقليدي بالنسبة للدولة؟
هل ستكون القواعد واضحة بما يكفي لبناء الثقة؟
هل ستكون عملية الاكتتاب والتسوية إلكترونية بالكامل؟
وهل سيتمكن الممول من معرفة حقوقه والتزاماته منذ اللحظة الأولى دون الدخول في متاهة إجرائية أو محاسبية؟
هذه الأسئلة ليست ترفًا، وإنما هي جوهر نجاح التجربة.
واللافت للنظر أن الصكوك الضريبية ليست اختراعًا تشريعيًا جديدًا بالكامل؛ فالمادة 115 من قانون الضريبة على الدخل رقم 91 لسنة 2005 سبق أن نصت على جواز إصدار صكوك ضريبية يكتتب فيها الممولون وتحمل عائدًا معفى من الضرائب يحدده وزير المالية، كما قررت لها وللعوائد المستحقة عليها قوة الإبراء عند سداد الضرائب المستحقة.
إذن، الإطار التشريعي موجود، لكن اللحظة الحالية تبدو مختلفة لأنها تتجه إلى نقل الفكرة من النص القانوني إلى التطبيق الفعلي.
وهنا تكمن أهمية القواعد والإجراءات المنتظر الإعلان عنها خلال نحو ثلاثة أسابيع، وفق ما أعلنته مصلحة الضرائب.
وأعتقد أن هذه القواعد ستكون بمثابة «دستور الصكوك الضريبية».
فهي التي ستحدد من يحق له الاكتتاب، وقيمة الصك، ومدته، وسعر العائد، وآلية احتسابه، وكيفية التسوية، والضرائب التي يمكن استخدام الصك في الوفاء بها، وما يحدث إذا تغيرت الالتزامات الضريبية للممول، وكيفية التعامل مع حالات توقف النشاط أو تغير المركز القانوني للممول، وغيرها من التفاصيل التي ستحدد مستقبل التجربة.
وهنا أرى أن الوضوح يجب أن يكون عنوان المرحلة المقبلة.
فالممول لا يخشى من الأداة الجديدة لمجرد أنها جديدة، ولكنه يخشى من عدم وضوحها.
الممول يريد أن يعرف: إذا دفعت اليوم، ماذا سأحصل عليه؟
ومتى؟
وبأي عائد؟
وكيف سأستخدم الصك؟
وماذا يحدث إذا كانت ضريبتي المستقبلية أقل من قيمة الصك؟
وماذا يحدث إذا تغير نشاطي؟
وهل أستطيع نقل الصك أو التنازل عنه؟
وكيف ستضمن الدولة حقوقي؟
هذه الأسئلة يجب أن تكون لها إجابات واضحة ومحددة في القواعد التنفيذية.
والأمر الإيجابي هنا أن التصريحات الرسمية تشير إلى أن الصكوك ستكون اختيارية، وأنها تستهدف الممولين المسجلين لدى مصلحة الضرائب، أفرادًا وشركات، مع تحديد الفئات المستفيدة وفق القواعد المنظمة.
وأرى أن اختيارية الصكوك نقطة قوة وليست نقطة ضعف.
لماذا؟
لأن الأداة الناجحة لا تحتاج إلى إجبار الناس عليها.
إذا كان العائد جيدًا، والقواعد واضحة، والتسوية مضمونة، والإجراءات سهلة، والحقوق محفوظة، فسوف يصبح الممول نفسه راغبًا في الاكتتاب.
وهنا يتحول نجاح الصكوك من قرار إداري إلى نجاح اقتصادي قائم على الجاذبية والثقة.
ومن وجهة نظري، فإن أهم ما يمكن أن تحققه الصكوك الضريبية ليس فقط توفير التمويل، وإنما إعادة بناء العلاقة بين الدولة والممول على قاعدة جديدة من الشراكة.
فالممول في هذه الحالة لا يكون مجرد دافع ضريبة.
بل يصبح طرفًا يمكن أن يساهم في تمويل الدولة، ويحصل في المقابل على عائد، ثم يستخدم الصك في تسوية التزاماته الضريبية المستقبلية.
وهذا مفهوم يستحق التوقف أمامه.
لأن إصلاح المنظومة الضريبية لا يعني فقط زيادة الحصيلة، وإنما يعني أيضًا بناء الثقة وتحسين الامتثال الطوعي وإيجاد علاقة أكثر توازنًا بين الإدارة الضريبية والممول.
وقد شهدت المنظومة الضريبية المصرية خلال السنوات الأخيرة توجهًا واضحًا نحو التيسير والرقمنة وتحسين العلاقة مع مجتمع الأعمال.
ومن هنا يمكن أن تكون الصكوك الضريبية امتدادًا طبيعيًا لهذا المسار، إذا تم تصميمها باعتبارها ميزة للممول الملتزم وليست مجرد أداة لزيادة موارد الخزانة.
والأهم ألا ننظر إلى الصكوك باعتبارها وسيلة لفرض عبء جديد على الممول.
الصك يجب أن يكون اختيارًا اقتصاديًا منطقيًا.
فالممول لن يضع أمواله اليوم لكي يحصل غدًا فقط على حق سداد ضريبة كان سيدفعها في الأصل، إلا إذا كان هناك مقابل اقتصادي حقيقي.
وهنا يأتي العائد.
وقد أكدت مصلحة الضرائب أن الصكوك تمنح الممول الملتزم عائدًا معفيًا من الضريبة، وهو عنصر مهم في جاذبية الأداة.
لكنني أرى أن سعر العائد سيكون مفتاح نجاح التجربة.
فإذا كان العائد مرتفعًا جدًا، فقد تفقد الدولة جزءًا من الوفر المستهدف.
وإذا كان منخفضًا جدًا، فلن يكون الممول متحمسًا للاكتتاب.
إذن نحن أمام معادلة دقيقة للغاية: عائد جذاب للممول + تكلفة أقل على الدولة = صكوك ضريبية ناجحة.
وهنا لا بد من الإشارة إلى أن بعض التصريحات الإعلامية تحدثت عن عائد افتراضي يصل إلى 20%، لكن لا ينبغي التعامل مع هذا الرقم باعتباره سعرًا نهائيًا للصكوك قبل صدور القواعد الرسمية؛ فالذي أعلن حتى الآن هو أن العائد سيكون «جيدًا ومناسبًا»، بينما التفاصيل النهائية تنتظر الإطار التنظيمي.
وهذا يوضح أهمية انتظار القواعد الرسمية وعدم بناء الأحكام النهائية على أرقام افتراضية أو تصريحات أولية.
ومن زاوية أخرى، يجب أن نكون واضحين للغاية في نقطة جوهرية: الصكوك الضريبية لا تعني إلغاء الضريبة.
ولا تعني إعفاء الممول من أصل الالتزام الضريبي.
ولا تعني أن الدولة ستتنازل عن حقوقها.
وإنما هي آلية مختلفة لإدارة التمويل والتسوية.
وهذا التوضيح ضروري حتى لا يحدث خلط لدى الرأي العام بين «الصك الضريبي» و«الإعفاء الضريبي».
كما يجب ألا نخلط بين الصكوك الضريبية والصكوك السيادية.
فالصكوك السيادية أداة تمويل حكومي مختلفة، بينما الصكوك الضريبية ترتبط مباشرة بالممول والتزاماته الضريبية المستقبلية.
وهذا الاختلاف ليس مجرد اختلاف في الاسم، وإنما اختلاف في الفلسفة والوظيفة.
أما التحدي الأكبر أمام التجربة من وجهة نظري، فهو التحول الرقمي الكامل.
لا ينبغي أن نتخيل أن الصك الضريبي الناجح هو مجرد ورقة أو مستند جديد يضاف إلى ملف الممول.
نحن أمام أداة مالية وضريبية في آن واحد، وبالتالي يجب أن تكون مرتبطة إلكترونيًا بالملف الضريبي للممول.
يجب أن يعرف النظام: قيمة الصك.
تاريخ إصداره.
العائد المستحق.
القيمة المستخدمة.
القيمة المتبقية.
والالتزام الضريبي الذي تمت تسويته.
وأي تعديلات تطرأ على الصك.
كل ذلك يجب أن يكون إلكترونيًا، واضحًا، قابلًا للمراجعة، ومؤمنًا ضد التلاعب.
وهنا يمكن أن تتحول الصكوك الضريبية من مجرد أداة تمويل إلى مشروع رقمي متكامل داخل المنظومة الضريبية المصرية.
ولا يقل عن ذلك أهمية وضع ضوابط قوية للحوكمة.
فكل أداة مالية جديدة تحمل معها فرصًا، ولكنها تحمل أيضًا مخاطر.
هناك مخاطر سوء الاستخدام.
ومخاطر التلاعب.
ومخاطر اختلاف قيمة الالتزامات الضريبية المستقبلية عن التوقعات.
ومخاطر توقف النشاط.
ومخاطر تغير المركز القانوني للممول.
ومخاطر سوء الفهم المحاسبي.
ولذلك فإن نجاح التجربة يتطلب أن تكون كل هذه الحالات محسومة مسبقًا.
وهناك سؤال اقتصادي بالغ الأهمية: هل الصكوك الضريبية تخفض الدين العام أم تخفض تكلفة الدين؟
والإجابة الأدق هي أن الهدف المعلن يرتبط بخفض الاحتياجات التمويلية ومن ثم خفض فاتورة خدمة الدين، وليس من الصحيح القول بصورة مطلقة إن الصكوك ستلغي الدين أو تجعل التمويل بلا تكلفة.
الدولة تحصل على تمويل مقدم، وفي المقابل تنشأ حقوق والتزامات مرتبطة بالصك والعائد وتسويته.
لذلك فإن الحكم الحقيقي يجب أن يكون على أساس: كم ستدفع الدولة مقابل الحصول على هذا التمويل مقارنة بما كانت ستدفعه لو حصلت على التمويل بالطريقة التقليدية؟
وهنا تظهر عبقرية الفكرة إذا نجحت.
فإذا كان تمويل الصكوك أقل تكلفة من الاقتراض التقليدي، فقد نجحت الدولة في تحقيق هدف مهم.
أما إذا أصبح العائد والتكلفة الإجمالية مرتفعين للغاية، فقد تتراجع الفائدة الاقتصادية للأداة.
ومن هنا فإن إدارة الصكوك الضريبية يجب أن تكون جزءًا من استراتيجية متكاملة لإدارة الدين، وليست مشروعًا منفصلًا عنها.
والجانب الآخر الذي يجب ألا نغفله هو أن الصكوك يمكن أن تخلق قناة جديدة للاستفادة من السيولة الموجودة لدى المجتمع الضريبي.
لدينا ملايين الممولين المسجلين لدى مصلحة الضرائب، من أفراد وشركات، وتشير تصريحات مصلحة الضرائب إلى نحو خمسة ملايين ممول.
وهذا يعني أن قاعدة المستثمرين المحتملين واسعة.
لكن اتساع القاعدة لا يعني تلقائيًا نجاح الأداة.
فالنجاح سيأتي عندما يجد الممول أن الصك: آمن، واضح، مربح، سهل، وقابل للتسوية دون تعقيدات.
وهنا يجب أن تكون الرسالة للممول واضحة: الدولة لا تطلب منك أن تتنازل عن أموالك، وإنما تقدم لك أداة مالية اختيارية لها عائد، وتمنحك في المقابل مرونة في إدارة التزاماتك الضريبية المستقبلية وفق القواعد المنظمة.
وهذه الرسالة إذا وصلت بصورة صحيحة يمكن أن تكون بداية لثقافة جديدة في التعامل مع الضرائب.
ثقافة تقوم على أن الالتزام الضريبي ليس فقط واجبًا، وإنما يمكن أن يرتبط أيضًا بمجموعة من الأدوات والمزايا التي تجعل الممول الملتزم شريكًا حقيقيًا في الاقتصاد.
وأرى أن هذه النقطة هي جوهر المسألة كلها.
نحن لا نحتاج فقط إلى زيادة الحصيلة الضريبية، وإنما نحتاج إلى زيادة الثقة في المنظومة الضريبية.
فالتحصيل المستدام لا يبنى فقط على الرقابة والفحص، وإنما يبنى أيضًا على الاقتناع والوضوح والعدالة وسهولة الإجراءات.
ومن هنا فإن الصكوك الضريبية يمكن أن تكون أكثر من أداة مالية.
يمكن أن تكون اختبارًا حقيقيًا لمفهوم الشراكة بين الدولة والممول.
إذا نجحت الدولة في جعل الممول يشعر أن مشاركته تحقق له منفعة حقيقية، فقد نكون أمام نموذج قابل للتوسع في المستقبل.
أما إذا شعر الممول أن الصك مجرد طريقة جديدة للحصول على أمواله مقدمًا، فلن تكون الجاذبية بالقدر الكافي.
ولهذا أقول إن الممول هو شريك النجاح الحقيقي في هذه التجربة.
وإذا كانت الدولة تريد أن تنجح، فعليها أن تضع نفسها مكان الممول قبل إصدار القواعد.
أن تسأل: هل سأفهم الصك بسهولة؟
هل أعرف عائده؟
هل أعرف موعد استحقاقه؟
هل أعرف كيف سأستخدمه؟
هل أضمن حقوقي؟
هل أستطيع متابعة الصك إلكترونيًا؟
هل الإجراءات بسيطة؟
إذا كانت الإجابة نعم عن كل هذه الأسئلة، فنحن أمام منتج مالي قابل للحياة.
أما إذا كانت الإجابات غامضة، فهنا تبدأ المخاطر.
وأعتقد أن أهم رسالة يمكن توجيهها الآن هي أن الصكوك الضريبية يجب أن تبدأ بالثقة قبل أن تبدأ بالتمويل.
فالأموال تأتي بعد الثقة.
والاستثمار يأتي بعد الوضوح.
والامتثال يأتي بعد العدالة.
والنجاح يأتي عندما يشعر كل طرف أنه مستفيد من المعادلة.
وفي تقديري، فإن قرار التوجه إلى الصكوك الضريبية يعكس تفكيرًا جديدًا في إدارة الموارد والتمويل، لأن الدولة لا تبحث فقط عن موارد إضافية، وإنما تبحث عن إدارة أكثر ذكاءً للموارد الموجودة بالفعل.
الضرائب المستقبلية موجودة في الاقتصاد.
والالتزامات الضريبية موجودة.
والسيولة موجودة لدى الممولين.
والدولة لديها احتياجات تمويلية.
والتحدي هو كيف نربط هذه العناصر بطريقة تحقق مصلحة الجميع.
وهنا جاءت فكرة الصكوك الضريبية.
إنها محاولة لتحويل «المستقبل الضريبي» إلى «تمويل حاضر».
وهذا في حد ذاته تحول يستحق الدراسة والاهتمام.
لكن النجاح لن يكون في مجرد إصدار الصك.
النجاح الحقيقي سيكون في ما بعد الإصدار.
هل سيقبل الممولون؟
هل ستنخفض تكلفة التمويل؟
هل ستنخفض احتياجات الاقتراض؟
هل ستنخفض فاتورة خدمة الدين؟
هل ستتحسن إدارة السيولة؟
هل ستزداد الثقة؟
وهل ستثبت التجربة أن الضرائب يمكن أن تكون جزءًا من حل مشكلة التمويل بدلًا من أن ينظر إليها فقط باعتبارها مصدرًا للحصيلة؟
هذه هي الأسئلة التي سيجيب عنها المستقبل.
ومن هنا فإن الأسابيع القليلة المقبلة ستكون شديدة الأهمية، مع اقتراب الإعلان عن الإجراءات والقواعد المنظمة للصكوك الضريبية.
وفي النهاية، أرى أن الصكوك الضريبية يمكن أن تكون واحدة من أهم الأفكار المالية الجديدة في مصر إذا أحسن تصميمها.
لكنني أؤمن في الوقت نفسه أن قوة الفكرة لا تكفي وحدها.
نحن بحاجة إلى تشريع واضح، وقواعد مستقرة، وإجراءات بسيطة، ورقمنة كاملة، وحوكمة صارمة، وعائد عادل، وضمانات واضحة، وتواصل صريح مع المجتمع الضريبي.
إذا تحققت هذه الشروط، فقد لا تكون الصكوك الضريبية مجرد أداة لسداد الضرائب، وإنما يمكن أن تصبح أداة ذكية لإدارة التمويل العام، وتقليل تكلفة الدين، وتحفيز الممول الملتزم، وبناء جسور جديدة من الثقة بين الدولة ومجتمع الأعمال.
وهنا يمكن أن نصل إلى المعادلة التي أراها الأهم: الدولة تحصل على تمويل أقل تكلفة، والممول يحصل على عائد عادل، والضرائب المستقبلية تتحول إلى أداة لإدارة السيولة، والخزانة تخفف أعباء خدمة الدين، والاقتصاد كله يستفيد.
فإذا نجحت هذه المعادلة، فإن مصر لا تكون قد أصدرت مجرد «صكوك ضريبية»...
بل تكون قد فتحت بابًا جديدًا في فلسفة التمويل العام، عنوانه: ضرائب المستقبل لتمويل الحاضر... والثقة أساس الشراكة.