حكاية صيف لا يعود
هناك أماكن لا تغادرنا مهما غادرناها وأيام لا تنتهي بانتهاء زمنها، لأنها تظل حية في الذاكرة تستعيد تفاصيلها كلما أغمضنا أعيننا.
ومن بين كل الأماكن التي عبرت بها في طفولتي تظل الكابينة رقم 30 في هيلتون النيل واحدة من أكثر الأماكن التي ارتبطت في داخلي بالأسرة والصيف والضحكات وليالي السمر ؛ أيام كانت تبدو لنا عادية ثم اكتشفنا بعد سنوات أنها كانت من أجمل ما منحنا الله.
كان ذلك في مطلع الثمانينيات.
كان والدي رحمه الله وصديقه المقرب اللواء منير ثابت يستأجرا كل صيف الكابينة ٣٠ المطلة على حمام السباحة من شهر مايو وحتى نهاية سبتمبر واستمر هذا التقليد الجميل عامًا وراء عام حتى عام 2000.
لم تكن الكابينة بالنسبة لنا مجرد غرفة في فندق وإنما كانت بيتنا الصيفي الصغير ؛ المكان الذي تبدأ فيه أيامنا منذ الصباح الباكر ونعود إليه كل يوم ونحن نحمل معنا حكايات جديدة.
كنت أذهب إلى هناك منذ الصباح بصحبة أمي رحمها الله وشقيقيَّ إيهاب رحمه الله واخي أشرف أطال الله في عمره فبدونه لا يصبح للحياة معني ..
كنا نصل مبكرًا قبل أن تشتد حرارة الشمس فنجد حمام السباحة وقد بدأ يستقبل رواده وتبدأ الحركة تدب في المكان شيئًا فشيئًا ورائحة الصباح تفوح مع أصوات الطيور ومنظر حر السباحة الصافي ؛ كانت أمي تتابعنا بعينها وتترك لنا مساحة من الفرح واللعب بينما كان عالمنا نحن لا يتجاوز حمام السباحة والكابينة والأصدقاء وموعد الغداء.

أما والدي فلم يكن يستطيع أن يبدأ يومه معنا ؛ كان عمله الشاق في رئاسة الجمهورية بمكتب الرئيس مبارك، رحمه الله يأخذ منه ساعات طويلة ولذلك كان يصل إلينا في فترة الظهيرة بعد أن يكون قد أمضى جزءًا كبيرًا من يومه في العمل.
وكان وصوله بالنسبة لنا هو موعد اليوم المنتظر - لقد حضر الظهر والسند - لنجتمع حول مائدة الغداء أبي وأمي ونحن الأبناء ؛ وفي تلك اللحظات كان أبي ينسى، ولو قليلًا، تعب العمل ومسؤولياته.
ثم كان يذهب لينام ساعتين ؛ ساعتان فقط يستعيد خلالهما شيئًا من قوته قبل أن ينهض ويعود إلى عمله من جديد بمصر الجديدة .. أما نحن، فكنا نعود إلى حمام السباحة، نكمل انشطتنا وكأن اليوم لا يزال في بدايته.
لم نكن ندرك أننا كنا نعيش أيامًا ستصبح بعد سنوات طويلة من أثمن ما نملك من الذكريات.
عالم صغير اسمه هيلتون النيل
كانت كبائن هيلتون النيل الثلاث والثلاثون عالمًا صغيرًا له طابع خاص ؛ ثلاث وثلاثون كابينة فقط، لكنها كانت تضم عالمًا واسعًا من الشخصيات والأسر والوجوه التي كانت جزءًا من صورة مصر في ذلك الزمن.
وكانت كابينة مدير عام الفندق، رشدي بك السركي وزوجته وابنته من الكبائن القريبة إلى قلوبنا. ولم نكن نعرف وقتها أن تلك الطفلة التي كانت تتحرك في المكان وتشاركنا أيام الصيف ستصبح بعد سنوات زوجة شقيقي أشرف ؛ أما شقيقها ماجد، فقد أصبح اليوم مديرًا عامًا لفندق سانت ريجيس العاصمة.
وهكذا، لم تكن علاقات الصيف تنتهي بانتهاء الصيف؛ بعضها كان يواصل طريقه مع الأيام، وبعضها يتحول من مجرد معرفة عائلية إلى روابط أقوى، وتصبح الذكريات القديمة مقدمة لحكايات جديدة لم نكن نتوقعها ونحن أطفال.
وكانت كبائن هيلتون النيل تضم عددًا من الشخصيات المعروفة في الحياة المصرية والعربية آنذاك.
كان من بين روادها الدكتور بطرس غالي وزوجته ليا، والدكتور محمد فياض، أحد أشهر أطباء النساء والولادة في ذلك الوقت، وزوجته النجمة الكبيرة هند رستم.
وكان النجم الكبير نور الشريف وأسرته، بوسي ونورا وابنتاه، من الوجوه التي اعتدنا رؤيتها في المكان وكذلك النجم الكبير عادل إمام وأسرته - إلا ان حضوره كان قليل للغاية عكس باقي النجوم -
وكان من رواد الكبائن أيضًا السياسي اللبناني الشهير سليم عيسى، مستشار الرئيس السوداني جعفر النميري اللاجئ سياسيا بمصر الآن نظرا لموقف السيئ ببلاده لبنان ؛ ثم كان هناك عالم الفن والموسيقى ومن بين الأسماء التي ارتبطت بذاكرتنا في تلك الفترة الفنان الكبير عزت أبو عوف وفرقة الفور إم.
كما كان الدكتور إبراهيم شكري وزوجته آنذاك سيدة الأعمال علية العيوطي من رواد المكان.
وكانت هناك أسماء أخرى ارتبطت بذاكرة تلك الأيام حيث
لم يكن اجتماع كل هذه الأسماء في مكان واحد أمرًا نراه نحن الأطفال على النحو الذي يراه الكبار.
بالنسبة إلينا، لم يكن هناك وزير أو طبيب شهير أو نجم سينمائي أو سياسي كبير.
كان هناك فقط «ناس نعرفهم».
أسر تأتي كل صيف.
أطفال نلعب معهم.
وجوه نراها كل صباح.
وأحاديث لا نفهم كثيرًا منها شيئًا.
كنا نعيش الحياة من زاوية مختلفة تمامًا.
وللحديث بقية