منذ الإعلان عن التفاهمات الخاصة بـ”اتفاق مكة للدفاع المشترك ” بين المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان، انطلقت موجة من التحليلات المتباينة.
وقد تناولت الأسبوع الماضي محددات السياسة المصرية في التعامل مع أي ترتيبات أمنية إقليمية، انطلاقًا من حرص الدولة على حماية أمنها القومي وتعزيز شراكات استراتيجية لا تمس استقلال قرارها.
إلا أن البعض فسّر هذا الطرح باعتباره رفضًا مصريًا للانضمام إلى أي اتفاقية دفاع مشترك، وهو استنتاج لا يعكس ما ذهبت إليه، إذ انطلقت من محددات الأمن القومي المصري، لا من موقف مؤيد أو رافض لاتفاق بعينه، بل من سؤال أكثر أهمية: ماذا يمكن أن يضيف وجود مصر إلى أي منظومة دفاعية إقليمية ، وما الذي يمكن أن تحققه هذه المشاركة للمصالح المصرية وأمن المنطقة؟
وهنا، فإن الإجابة لا تبدأ فقط من الاتفاق ذاته ، وإنما تمتد إلى قراءة التاريخ
فعلى مدار عقود، حافظت السياسة الخارجية المصرية على سمة أساسية، هي استقلال القرار الوطني، مع الانفتاح على التعاون والشراكات بما لا يمس هذا الاستقلال. وعندما انقسم العالم بعد الحرب العالمية الثانية إلى معسكرين متنافسين، لم تقبل القاهرة أن تكون امتدادًا لأي منهما.. لذلك كانت، بقيادة الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، من أوائل الدول المؤسسة لحركة عدم الانحياز، انطلاقًا من قناعة بأن استقلال القرار لا يقل أهمية عن الموقف السياسي الذي يحقق التوازن وقوة الردع التي تحمي هذا الاستقلال ..
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم السياسة المصرية تجاه أي تحالف إقليمي.. فالقاهرة لا تتعامل بمنطق الرفض المطلق أو القبول المطلق، وإنما بمنهج ثابت يقوم على دراسة التوقيت، وتقدير الموقف الاستراتيجي، والحفاظ على استقلال القرار الوطني، مع إبقاء أبواب التعاون مفتوحة كلما خدم ذلك المصالح المشتركة..
ولهذا، فإن البيان المصري بشأن اتفاق مكة لم يغلق الباب أمام أي خيارات مستقبلية، بل جاء بصياغة تتيح مساحة للحركة وفق ما تقتضيه المصلحة الوطنية .. وهو ما اوضحه الوزير بدر عبد العاطي من إن مصر كانت على علم مسبق بكافة تفاصيل “اتفاق مكة” في إطار علاقتها المتميزة بالسعودية وباكستان وتركيا مضيفاً
أن الاتفاقيات الدفاعية تحتاج إلى دراسات واعتبارات قانونية ودستورية.
وقد عزز هذا الفهم ما أعلنه وزير الخارجية التركي خلال زيارته إلى القاهرة، بما يعكس أن الباب لا يزال مفتوحًا أمام تطورات قد تفرضها المرحلة المقبلة.
ولعل ما شهدته الايام الأخيرة يمنح هذه القراءة قدرًا من الأهمية…فاللقاءات "الأخوية "التي جمعت وزراء خارجية مصر وتركيا والمملكة العربية السعودية في مدينة العلمين، والاتصال الهاتفي الذي تلقاه الدكتور بدر عبد العاطي من وزير الخارجية الباكستاني، والتواصل بين رئيس المخابرات العامة المصرية اللواء حسن رشاد ووزير الخارجية التركي، فضلًا عن التصريحات الإيجابية الصادرة عن المسؤولين في دول التحالف، جميعها تعكس مناخًا سياسيًا يتجه نحو إعادة تشكيل توازنات إقليمية جديدة، قد يكون توسيع اتفاق مكة أحد أبرز تجلياتها.
وتؤكد هذه التطورات أن القاهرة تتحرك وفق رؤية مرنة، تتيح لها التفاعل مع المتغيرات دون أن تتخلى عن ثوابتها، في إطار قرار وطني مستقل تحكمه حسابات استراتيجية دقيقة، إقليمية ودولية.
اللافت ان اهتمام الاعلام لم يكن بمضمون الاتفاق بقدر ما كان حجم الهجوم الذي شنّته جماعة الإخوان ومنصاتها على مجرد احتمال انضمام مصر إليه مستقبلًا، بل وصل الأمر إلى الادعاء برفض المملكة العربية السعودية لانضمام القاهرة، عبر لي عنق التصريحات وافتعال التحليلات..وهو ما يطرح سؤالًا يستحق التوقف: لماذا تخشى الجماعة أن تكون مصر جزءًا من أي منظومة أمنية إقليمية جديدة؟
و تحديدا لماذا يثير احتمال انضمام مصر الي اتفاق مكة قلق جماعة الإخوان؟
لأن القضية بالنسبة للجماعة لا تتعلق باتفاق أمني فحسب، وإنما بمكانة الدولة المصرية نفسها. فمنذ عام 2013، بنت الجماعة خطابها على الترويج لفكرة أن مصر فقدت دورها الإقليمي وأصبحت معزولة عن محيطها. وأي مشاركة مصرية مؤثرة في صياغة منظومة أمنية إقليمية كفيلة بنسف هذه الرواية، وتأكيد أن القاهرة تعد لاعبًا رئيسيًا في معادلات الشرق الأوسط، وأن أمن المنطقة لا يمكن تصوره بعيدًا عن الدور المصري.
كما تدرك الجماعة أن أي إطار إقليمي يضم مصر والدول الإسلامية الرئيسية سيعزز من قدرة الدول الوطنية على مواجهة التنظيمات العابرة للحدود، ويضيق المساحات التي استغلتها الجماعات التي ادعت احتكار الحديث باسم الإسلام خلال السنوات الماضية، وهو ما يبدد سردية “الحرب على الإسلام” التي طالما روّجت لها، ويفسر حجم الحساسية تجاه أي تقارب سياسي أو أمني تكون القاهرة أحد أطرافه.
ويبقى الثابت أن جوهر السياسة المصرية، منذ خمسينيات القرن الماضي، لم يتغير…وهو ما يفسر قدرتها، حتى اليوم، على الحفاظ على علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، استقلال قرارها مع إبقاء جميع خيارات التعاون المشروعة مفتوحة كلما اقتضت مصلحة الوطن ذلك، بعيدًا عن الروايات المفبركة التي تروجها قوى تسعى إلى إخفاء فشلها السياسي وانهيار أطروحاتها الأيديولوجية أمام حقائق الواقع.