في أسابيع تنسيق الجامعات، يجري داخل بيوت المصريين حوار ممتد، وفى كثير من الاحيان ساخن حول المستقبل، يفكر الأبناء فى درجاتهم، ويجلس الآباء أمام حساباتهم، وبين الاثنين تتحرك الاحلام والطموحات وربما القلق لاهمية ارتباط الدراسة بوظائف المستقبل بحثا عن امان مشروع فى قادم الايام .
يظل "المجموع" هو اطار الحوار العائلى، لكنه لا يحسم الاختيار، فهناك أحلام الآباء، وشغف الأبناء، واسم الجامعة، ومكانة الكلية، واحتياجات سوق العمل، والمهن المطلوبة، والتخصصات الاكثر طلبا سواء داخل مصر او خارجها ، ثم تدخل ميزانية الأسرة طرفًا آخر في المعادلة، فتتغير الحسابات، أمام تكلفة الدراسة .
المعضلة دائما ليست في الرغبات او نتائج عملية التنسيق ، وإنما في الفجوة التي يمكن أن تنشأ بين ما يتعلمه الطالب، واحتياجات سوق العمل ، وما يحلم به الإنسان لنفسه .
الا ان الحقيقة المؤكده انه لا صوت يعلو على صوت احتياجات سوق العمل ، فهى اساس التوظيف وبوصلة اختيار الجامعات فى مصر وباقى دول العالم ، فالتعليم الجامعى هو اهم استثمار فى المستقبل سواء على مستوى الاسرة او على مستوى الدولة .
وخلال السنوات الاخيرة تغيرت خريطة الوظائف، وظهرت تخصصات جديدة أصبحت هى الأكثر طلبًا، في الوقت الذي تراجعت فيه فرص التوظيف في تخصصات أخرى، ولم تعد الاختيارات الجامعية أسيرة التصورات القديمة عن "كليات القمة" أو المكانة الاجتماعية لبعض الشهادات ، بينما ظلت الرغبة الغالبة في الحصول على شهادة جامعية للابن او الابنة فى اى تخصص سواء ان كان مطلوب او غير مطلوب هي بؤرة الاهتمام، وكأن الشهادة في حد ذاتها تكفي رغم علمهم الكامل ان التخصص لم يعد مطلوباً فى سوق العمل .
الواقع يقول ان ذلك التفكير لم يعد يتناسب مع متغيرات العصر، ولا مع اقتصاد تتغير ملامحة عام بعد عام وسوق يعيد تشكيل احتياجاته كل يوم.
ومن ثم لم تعد الضرورة تقتضى حصول الطالب على شهادة جامعية فحسب، وإنما الضرورة تتطلب حصوله على تعليم جيد ، واكتساب مهارة قابلة للتطوير، وتخصص يمنحه فرصة حقيقية للعمل فى وظائف اليوم والمستقبل .
تبحث مصر عن نقطة تحول للانتقال من الصيغة القديمة لفكرة التنسيق والبحث عن شهادة الى بناء خريج يكون اضافة لنفسه ولسوق العمل ، وهو ما اشار اليه بوضوح في حديث الرئيس عبدالفتاح السيسي خلال حفل إفطار الأكاديمية العسكرية المصرية فى مارس الماضى ، حين انتقل النقاش من مجرد تطوير التعليم إلى سؤال أكثر عمقًا: ماذا نريد من الإنسان الذي نعده للمستقبل؟ ففي سياق حديث الرئيس عن تجربة الأكاديمية في إعداد الإنسان، دعا إلى ضرورة اتخاذ قرار بشأن التخصصات التي لم تعد لها حاجة في سوق العمل، وعدم الاستمرار في قبول دفعات جديدة فيها، متسائلًا عن جدوى التمسك بالشهادة لمجرد الحصول على "ليسانس أو بكالوريوس"، لأن الطالب لا ينبغي أن يهدر أربع سنوات من عمره في تخصص لا مكان له فى سوق العمل منبها الى ان الابناء والبنات اغلى من ضياع سنوات عمرهم فى تعليم بلا مستقبل .
مما لا شك فيه ان رسالة الرئيس المبكرة وجهت الانظار لاهمية تغيير فلسفة التنسيق الجامعي لتصبح جزءًا من عملية بناء الإنسان المصري ، وربما تختصر عبارة الرئيس "إنت غالي قوي" جوهر هذه الفلسفة؛ فالطالب ليس رقمًا في إحصاء التنسيق، ولا مقعدًا يُملأ في كلية، وإنما هو استثمار في مستقبل مصر.
ومن هنا يصبح السؤال: إذا كان الإنسان هو الاستثمار الأغلى، فلماذا لا نبدأ إرشاده إلى مستقبله قبل أن نطلب منه أن يكتب رغبات التنسيق؟ وهذا تحديدًا ما كنت أنتظره من وزارة التعليم العالي والبحث العلمي؛ ليس فقط أن تتغير خريطة القبول، وإنما أن يجد الطالب وأسرته أمامهما خريطة واضحة للاختيار.
فضلا عن اعلان الوزارة عن نتائج عمل اللجنة المخصصة للنظر في أمر المناهج الدراسية وربطها بسوق العمل سواء بإلغائها أو دمجها في برامج أخرى ، وعلى حد علمى كان مقرر لعمل اللجنة ثلاثة اشهر وحتى الآن لم يصدر بشأنها اي قرارات ولم تظهر اى نتائج رغم مرور ما يقرب من خمسة اشهر .
صحيح أن الوزارة أعلنت أن تقارير اللجنة الوطنية لرصد التخصصات الدراسية واحتياجات سوق العمل ستلعب دورًا رئيسيًا في توزيع الطلاب خلال تنسيق هذا العام، وأن نتائج هذه الدراسات ستنعكس على أعداد المقبولين في الكليات المختلفة، من خلال التوسع في بعض التخصصات المطلوبة، وتثبيت أو خفض أعداد المقبولين في تخصصات أخرى وفقًا لمؤشرات سوق العمل، وهذه خطوة مهمة في الاتجاه الصحيح؛ لأنها تنقل التنسيق من مجرد حساب للدرجات إلى قدر من المواءمة بين أعداد الخريجين واحتياجات الاقتصاد.
لكن تغيير خريطة القبول وحدها غير كافية ، فالطالب قد يعرف أن تخصصًا ما مطلوب في سوق العمل، لكنه لا يعرف بالضرورة: هل يناسب قدراته؟ وهل يتوافق مع ميوله؟ وما البرامج التي تقوده إليه؟ وما البدائل المتاحة أمامه إذا لم يسمح مجموعه بالتخصص الذي يريده؟
وهنا تصبح الحاجة إلى الإرشاد المهني قبل التنسيق مسألة ضرورية،نحتاج إلى منظومة تساعد الطالب وأسرته على تحديد التخصصات المطلوبة، وهو امر يتطلب فى اعتقادى صياغة أدلة إرشادية وبرامج إلكترونية مبسطة تتيح للأسرة أن تعرف، قبل تسجيل الرغبات، طبيعة كل تخصص، والمهارات التي يحتاجها، والبرامج الدراسية التي تقدمها الجامعات ، واتجاهات الطلب عليه في سوق العمل، والفرص المهنية التي يمكن أن يفتحها كل تخصص أمام الطالب.
ومن حسن الطالع اهتمام الوزارة بتدريس علوم الحاسبات والذكاء الاصطناعى ، وفق ما أعلنه الدكتور عادل عبدالغفار، المتحدث الرسمي باسم وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، عن وصول عدد كليات ومعاهد الحاسبات والذكاء الاصطناعي إلى 106 كلية ومعهد على مستوى الجمهورية، بالتوازي مع التوسع في الجامعات التكنولوجية.
أهمية الرقم المعلن من الوزارة ليست في ارتفاع عدد الكليات والمعاهد المتخصصه فى مجال الذكاء الاصطناعى ، وإنما في اتجاه التوسع في تخصصات أصبحت مرتبطة مباشرة بتحولات الاقتصاد وسوق العمل .
فالاقتصاد المصري الذي دخلته الرقمنة، والذكاء الاصطناعي، والبيانات، والتكنولوجيا الصناعية، والتحول الرقمي، يحتاج بالضرورة إلى نوع مختلف من الخريجين؛ خريج لا يحمل شهادة فقط، وإنما يمتلك مهارة يستطيع أن يحول بها المعرفة إلى قيمة وإنتاج.
ومن هنا تزداد أهمية مشاركة مؤسسات الصناعة والأعمال في تحديد المهارات التي يحتاجها الاقتصاد، فالصناعة تعرف أين توجد فجوات المهارات، وشركات التكنولوجيا تعرف نوع الكفاءات التي تبحث عنها، والقطاع الصحي يعرف احتياجاته، كما تتغير احتياجات قطاعات الطاقة والنقل واللوجستيات والسياحة ، وهى كلها متغيرات اقتصادية مهمة يجب ان يواكبها التعليم سواء الاساسى او الجامعى .
هذا لا يعني أن تتحول الجامعة إلى مصنع لإنتاج الموظفين وفق احتياجات السوق اللحظية، فالجامعة تظل مكانًا للعلم والبحث والثقافة وبناء الشخصية وتكوين العقل النقدي ، وإنما المطلوب أن تلتقي تخصصات الجامعة مع حاجة المجتمع إلى خريج قادر على مواكبه العصر والتكيف مع متغيراته.
وهنا تصبح العلاقة بين الجامعة وسوق العمل علاقة تكامل لا تبعية؛ فالجامعة لا ينبغي أن تطارد الوظائف القائمة فقط، وإنما أن تستشرف الوظائف التي ستنشأ، وتعد الإنسان القادر على التعامل معها.
وهذه هي النقطة التي تجعل التغيير في سياسة القبول التى ننتظرها أعمق ، فالمطلوب ليس مجرد زيادة أعداد في تخصص وخفضها في آخر، وإنما بناء جسر حقيقي بين التنسيق وسوق العمل.