فايننشال تايمز: موجة هجرة متصاعدة من إسرائيل بسبب الحرب والأزمات الداخلية
نشرت صحيفة فايننشال تايمز تقريرا تناولت فيه تصاعد موجات الهجرة من إسرائيل خلال السنوات الثلاث الأخيرة، مشيرة إلى أن الضغوط المالية والنفسية والاجتماعية الناتجة عن الحروب الإسرائيلية في قطاع غزة ولبنان وإيران دفعت أعدادا متزايدة إلى مغادرة البلاد.
وأوضحت الصحيفة أن جوناثان، البالغ من العمر 30 عاما، تردد لفترة قبل اتخاذ قرار مغادرة إسرائيل، إلا أن الضغوط المتزايدة الناجمة عن الحرب، إلى جانب شعوره بأن مستقبله وعائلته قد يكون محصورا في الملاجئ هربا من الصواريخ التي يطلقها خصوم إسرائيل، دفعته في النهاية إلى الانتقال مع أسرته إلى الولايات المتحدة، لينضم إلى أكثر من 150 ألف إسرائيلي غادروا البلاد خلال السنوات الثلاث الماضية.
ووفقا للتقرير، فإن موجة الهجرة ارتبطت أيضا بالسياسات المثيرة للجدل التي اتبعتها حكومة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، وفي مقدمتها خطة إصلاح القضاء، التي تسببت في واحدة من أعمق الأزمات الداخلية في تاريخ إسرائيل، قبل أن يؤدي هجوم حماس في 7 أكتوبر إلى توسع دائرة الحرب من غزة إلى لبنان واليمن ثم إيران.
وأظهرت دراسة أعدتها مصلحة الضرائب الإسرائيلية ونشرت الأسبوع الماضي ارتفاع أعداد المهاجرين من أصحاب الدخول المرتفعة، الأمر الذي عزز المخاوف من استمرار ظاهرة هجرة العقول وما قد تسببه من أضرار كبيرة للاقتصاد الإسرائيلي.
الهجرة العكسية
كما أظهرت دراسة مصلحة الضرائب الإسرائيلية ارتفاع أعداد أصحاب الدخول المرتفعة الذين غادروا البلاد، ما أثار مخاوف متزايدة من هجرة الكفاءات، التي قد تلحق، في حال استمرارها، أضرارا كبيرة باقتصاد إسرائيل القائم بدرجة كبيرة على قطاع التكنولوجيا، إضافة إلى المالية العامة والقدرات العسكرية.
وقال سيرجيو ديلا بيرغولا، الأستاذ الفخري في الجامعة العبرية بالقدس، إن هذه هي المرة الأولى منذ قرن التي تشهد فيها إسرائيل عجزا مستمرا في الإيرادات لسنوات متتالية، مشيرا إلى أن الحالات السابقة كانت محدودة ووقعت بصورة منفردة خلال عشرينيات القرن الماضي، قبل تأسيس إسرائيل عام 1948، ثم مرة أخرى في خمسينيات القرن الماضي، واصفا الوضع الحالي بأنه استثنائي بكل المقاييس.
وأشار التقرير إلى أن الهجرة لطالما شكلت جزءا أساسيا من هوية إسرائيل، إذ ساهمت في نحو 65% من النمو السكاني خلال الفترة بين عامي 1948 و1960. ومع تراجع معدلات الهجرة منذ ذلك الحين، ظلت تمثل نحو 20% من النمو السكاني خلال العقدين الماضيين.
ولسنوات طويلة، واجه الإسرائيليون الذين يهاجرون إلى الخارج وصمة اجتماعية، بل أطلقت عليهم ألقاب مهينة. ففي سبعينيات القرن الماضي، وصف رئيس وزراء الكيان آنذاك إسحاق رابين المهاجرين بأنهم "منبوذون أخلاقيا" و"ساقطون بين الضعفاء"، كما وصفهم بـ"حثالة الأرض".
وقال أليكس واينريب، مدير الأبحاث في مركز تاوب، وهو مركز أبحاث مقره القدس، إن الرسالة الضمنية التي كان يواجهها من يقرر الهجرة تتمثل في أنه يتخلى عن تجربة إعادة بناء وطن يهودي بعد ألفي عام، متسائلا عما إذا كان هؤلاء المهاجرون يعدون خونة للقضية.
وتظهر المخاوف بصورة أكبر بين الإسرائيليين العلمانيين والليبراليين، الذين يرون أن المجتمع الإسرائيلي يتجه بصورة متزايدة نحو اليمين في ظل الحكومات المتعاقبة برئاسة نتنياهو، ما يثير لديهم تساؤلات عميقة بشأن مستقبل البلاد ومسارها السياسي والاجتماعي.
ومع مرور الوقت، تراجعت حدة الوصمة الاجتماعية المرتبطة بالهجرة، خاصة بعدما تراجع رابين عن تصريحاته في تسعينيات القرن الماضي، وبدأت أعداد متزايدة من الإسرائيليين في الانتقال إلى الخارج. ومع ذلك، ظل ملف الهجرة قضية شديدة الحساسية والتسييس داخل إسرائيل.
وعندما نشر أكاديميون من جامعة تل أبيب دراسة خلال الشهر الجاري تشير إلى استمرار ارتفاع معدلات الهجرة حتى عام 2025، استغل سياسيون من المعارضة النتائج لتوجيه انتقادات إلى حكومة نتنياهو وسياساتها.



