عاجل

عزبة البرج المدينة الملونة بدمياط حكاية مدينة صنعت تاريخها من البحر والسفن

عزبه البرج
عزبه البرج

تفتح عزبة البرج في دمياط ذراعيها على البحر المتوسط ونهر النيل لتروي حكاية مدينة مختلفة لا يشبهها مكان آخر بسهولة، هنا تختلط رائحة البحر بصوت أمواج النيل وتتعانق المراكب مع ورش صناعة السفن وتتحول البيوت والشوارع إلى لوحة من الألوان لتمنح المدينة لقب المدينة الملونة بينما يظل البحر هو البطل الحقيقي في حكايتها الممتدة عبر مئات السنين.

تقع عزبة البرج في أقصى شمال محافظة دمياط عند منطقة التقاء نهر النيل بالبحر المتوسط وتواجه مدينة رأس البر من الناحية الأخرى لمجرى النهر، هذا الموقع لم يكن مجرد مشهد جغرافي جميل لكنه كان السبب الرئيسي في تشكيل شخصية المدينة وأهلها حيث ارتبطت حياة السكان منذ أجيال بالصيد والملاحة وصناعة السفن. 

مدينة بدأت حكايتها من البحر

لا يمكن الحديث عن عزبة البرج دون التوقف أمام تاريخها البحري، فقد ارتبط اسم المنطقة بصناعة السفن منذ عصور بعيدة وتذكر مصادر تاريخية محلية أن المنطقة عرفت بصناعة السفن وأنها شهدت نشاطا مهما في بناء المراكب والأساطيل خلال عصور مختلفة.

وتشير روايات تاريخية إلى أن عزبة البرج كانت من المناطق المهمة في صناعة السفن خلال العصر الفاطمي كما أن الظاهر بيبرس أنشأ بها دارا لصناعة السفن عام 1263 ميلادية وهو ما يعكس أهمية موقعها بالنسبة للنشاط البحري في ذلك الوقت.

ولم يكن البحر بالنسبة لأهالي عزبة البرج مجرد مصدر للرزق بل كان جزءا من حياتهم اليومية. الأب يورث المهنة لابنه والجد يعلم حفيده أسرار البحر وصناعة المركب وتتحول الخبرة المتراكمة عبر الأجيال إلى مهارة يصعب تقليدها.

ومن أين جاء اسم عزبة البرج؟

يحمل اسم المدينة قصة مرتبطة بالتحصينات والمراقبة، وتذكر مصادر تاريخية أن تسمية عزبة البرج ارتبطت بوجود برج أو قلعة للمراقبة في المنطقة بينما تشير رواية أخرى إلى ارتباط الاسم ببرج السلسلة ضمن التحصينات الموجودة في منطقة رأس البر.

وبحسب القاموس الجغرافي لمحمد رمزي كانت عزبة البرج في الأصل تابعة لناحية شطوط دمياط ثم فصلت عنها إداريا عام 1872 وأصبحت ناحية قائمة بذاتها من الناحية المالية عام 1936، كما ارتبط اسمها بقلعة أقيمت في زمن محمد علي باشا وعرفت باسم البرج.

وهكذا حملت المدينة اسمها من تاريخ عسكري قديم بينما صنعت شهرتها الحديثة من البحر والصيد والسفن.

طابية عرابي شاهد على التاريخ

وفي قلب الحكاية التاريخية تظهر طابية عرابي التي ارتبطت باسم الزعيم أحمد عرابي وبفترة مقاومة الاحتلال الإنجليزي.

وتشير المصادر الثقافية إلى أن الطابية كانت عبارة عن سور محكم أقيم كبديل للقلاع واستخدمت في التصدي للقوات الإنجليزية خلال تلك الفترة، ولهذا أصبحت الطابية واحدة من العلامات التاريخية التي تذكر أبناء المدينة والزائرين بأن عزبة البرج لم تكن بعيدة عن الأحداث الكبرى التي مرت بها مصر. 

مدينة الصيادين وصناع السفن

ومع مرور السنوات تحولت عزبة البرج إلى واحدة من أشهر مدن الصيد وصناعة السفن في مصر. طبيعة المكان فرضت على سكانه العمل في البحر بينما دفعت الحاجة إلى تطوير المراكب إلى نشوء مجتمع كامل من الحرفيين الذين تخصص كل منهم في جزء من صناعة المركب.

نجار السفن والحداد واللحام وصانع الشباك وعامل الدهانات وغيرهم يعملون في سلسلة طويلة تنتهي بخروج مركب قادر على مواجهة البحر.

وتشير تقارير عن المدينة إلى وجود مساحة كبيرة من ورش صناعة السفن والمراكب واليخوت وأن آلاف العمال ارتبطوا بهذه الصناعة التي أصبحت واحدة من أهم علامات عزبة البرج. 

ولم تتوقف الصناعة عند المراكب الخشبية التقليدية فقد شهدت المدينة تطورا كبيرا مع ظهور المراكب الحديدية والسفن الأكبر حجما، وكانت أحداث عام 1967 نقطة تحول مهمة دفعت الصيادين إلى التفكير في مراكب تستطيع الوصول إلى مناطق صيد أبعد خارج المياه المحلية وهو ما ساعد على تطوير صناعة السفن في المدينة. 

ابن النيل وبداية مرحلة جديدة

ومن القصص التي بقيت حاضرة في ذاكرة صناع السفن بعزبة البرج قصة مركب ابن النيل الذي ارتبط ببدايات التطور الحديث لصناعة السفن في المدينة.

ومع مرور الوقت لم يعد صناع عزبة البرج يكتفون بالمراكب التقليدية بل بدأوا في تطوير تصميماتهم والاستفادة من الخبرات الجديدة حتى وصلت الورش إلى صناعة مراكب كبيرة وسفن ويخوت حديثة.

وهكذا تحولت الحرفة من مجرد مهنة محلية إلى صناعة لها اسمها داخل مصر وخارجها وأصبح اسم عزبة البرج مرتبطا بالسفن مثلما ارتبط اسمها قديما بالبرج والحراسة.

لماذا أصبحت المدينة ملونة؟

أما لقب المدينة الملونة فيرتبط بالمشهد البصري الذي يميز عزبة البرج ويمنحها طابعا خاصا، فالمراكب الراسية بألوانها المختلفة والبيوت التي تطل على المياه والشوارع القريبة من النيل والبحر تمنح المدينة مشهدا نابضا بالحياة.

وفي عزبة البرج لا تحتاج إلى معرض فني حتى ترى الألوان؛ يكفي أن تقف أمام الميناء أو بالقرب من الورش لترى لوحات حقيقية صنعتها الحياة اليومية، مركب يستعد للرحيل ومركب آخر يعود من البحر وأخشاب تنتظر أن تتحول إلى سفينة وبيوت تنعكس ألوانها على مياه النيل.

لهذا تبدو المدينة وكأنها لوحة مفتوحة لا تنتهي.

مدينة تغيرت لكنها لم تنس البحر

ورغم التطورات الكبيرة التي شهدتها صناعة السفن فإن روح عزبة البرج ما زالت مرتبطة بالمهنة التي صنعت تاريخها، فما زالت الورش موجودة وما زال الأبناء يتعلمون أسرار الصناعة من آبائهم وما زال صوت أدوات العمل يتردد بجوار مياه النيل.

وتبقى قيمة عزبة البرج الحقيقية في أن تاريخها ليس مجرد مبان أو آثار قديمة وإنما تراث حي يمارس يوميا، فكل مركب جديد يخرج من إحدى ورشها يحمل معه جزءا من خبرة أجيال كاملة عاشت مع البحر وتعلمت كيف تصنع من الخشب وسيلة للرزق والحياة.

وفي النهاية تظل عزبة البرج أكثر من مجرد مدينة ساحلية في دمياط، إنها مدينة صنعت شخصيتها من موقعها ومن البحر ومن أيدي أبنائها، مدينة بدأت حكايتها مع البرج والتحصينات ثم أصبحت قلعة للصيد وصناعة السفن وتحولت اليوم إلى واحدة من أكثر مدن دمياط تميزا.

ومن يقف على شاطئها أو يتأمل مراكبها الملونة يدرك أن لقب المدينة الملونة لا يصف ألوان جدرانها ومراكبها فقط بل يصف تاريخا كاملا تداخلت فيه ألوان البحر والخشب والشباك والغروب وحكايات الصيادين.

إنها عزبة البرج.. مدينة كتب البحر تاريخها وكتب أبناؤها فصوله جيلا بعد جيل.

تم نسخ الرابط