ليست أزمة وزارة الصحة عيبًا في حد ذاتها؛ فكل منظومة صحية في العالم تمر بضغوط وتحديات. لكن الفارق الجوهري لا يكمن في وجود الأزمة، بل في تكرارها وتشابكها؛ إذ تتوالى الأزمات هنا وتمسّ الفئات نفسها، دون أن تُغلق واحدة منها بشكل جذري حتى تلحق بها الأخرى.
وخلال فترة قصيرة، أصبح المشهد الصحي مثقلًا بأسئلة أكثر من الإجابات: طبيب ينتظر نيابته.. خريج ينتظر تكليفه.. طبيب يسعى لإخلاء طرفه لاستلام نيابته.. منشآت تعاني عجزًا في الأطباء.. ومريض يبحث عن دوائه.
وهذه ليست انطباعات عامة، بل أرقام تكشف حجم الضغط داخل المنظومة.
لنرى بالأرقام.. حجم المتأثرين
في ملف العلاج الطبيعي، بلغ عدد خريجي دفعة 2023 نحو 5400 خريج. وبعد أن أعلنت وزارة الصحة تكليف 2772 منهم في مرحلة أولى، جاء قرار اللجنة العليا للتكليف لاحقًا ليقتصر فعليًا على 1366 خريجًا فقط، بعد تطبيق نظام “الاحتياج الفعلي” بأثر رجعي على دفعة التحقت بالدراسة قبل صدور هذا النظام. أي أن أكثر من 4000 خريج من دفعة واحدة باتوا بلا تكليف حتى الآن.
وفي حركة النيابات لعام 2026، تقدّم نحو 4900 طبيب، واستنفد نحو 1400 طبيب رغباتهم دون الحصول على أي تخصص، بنسبة تقارب 30%، مقارنة بمعدل تاريخي لم يتجاوز 6% إلى 10% في السنوات السابقة. والمفارقة أن عدد الأماكن المعلنة في الحركة بلغ نحو 6324 مكانًا، أي أكثر من عدد المتقدمين أنفسهم، ما يشير إلى أن جوهر الأزمة ليس نقصًا في الفرص بقدر ما هو خلل في التوزيع وغياب الشفافية في معايير المفاضلة، إذ لم تُعلن الاحتياجات الفعلية لكل تخصص قبل تسجيل الرغبات، ولا الحد الأدنى للقبول بعد ظهور النتيجة.
وما حدث في أسوان ارتبطت أزمة استلام النيابات بتعطّل انتقال الأطباء، لتنتهي بتعديل تكليف 80 طبيبًا لصالح هيئة الرعاية الصحية تغطيةً لاحتياجات المنشآت هناك.
إلى هنا، يمكن الحديث عن أكثر من 5400 حالة موثقة على الأقل تأثرت مباشرة بهذه الملفات الثلاثة فقط.
ولا يشمل هذا الرقم ملفات أخرى موازية، مثل تكليف الأسنان والصيدلة، أو خريجي المعاهد الصحية، أو مرضى الأدوية والإنسولين
لا اريد ان اضيف ارقاما لمجرد الإضافة
لأن الدقة هنا أهم من التضخيم.
فدفعة أطباء الأسنان 2023 تضم نحو 12,500 خريج، ولا يوجد رقم نهائي موحد لعدد من لم يحصلوا على التكليف بعد التعديلات المتتالية؛ إذ تراوحت مقاعد التكليف المعلنة بين 950 و1100 مقعد فقط، قبل أن تعلن الوزارة لاحقًا تكليف نحو 3700 طبيب أسنان، أي ما يقارب نصف الدفعة. وينسحب النمط نفسه على دفعة الصيدلة 2023، المشمولة بنظام “الاحتياج الفعلي” ذاته.
كما أن تكليف 7449 من خريجي المعاهد الفنية الصحية والعلوم الصحية لا يعني أنهم جميعًا متضررون، بل أنهم الفئة المستهدفة بالتكليف.
أما ملف الإنسولين، فيتعلق بنحو 2.45 مليون مريض سكري بالغ، إلى جانب نحو 60 ألف طفل، لكنهم ليسوا جميعًا متضررين، بل الفئة التي تتأثر بسياسات التوافر والتوزيع.
جوهر المشكلة
المشكلة ليست في تعدد الملفات، بل في تشابه نمطها:
*تكليف لا يواكب الاحتياج
*نيابات لا تستوعب الجميع رغم توفر الأماكن
*غياب شفافية في معايير التوزيع والمفاضلة
*انتقالات وظيفية غير محسوبة
*عجز في بعض المنشآت
*توسع غير منضبط في أعداد كليات القبول دون ربطها بسوق العمل
*وضغط متكرر على الخريجين والمرضى
وهنا يظهر السؤال الحقيقي: هل لدينا خريطة واضحة للقوى البشرية الصحية تربط بين التعليم والاحتياج والتوزيع وحاجة المرضى لفرق طبية مؤهله وتوافر العلاج بشكل مرضى ؟
لأن ما يحدث يوحي بأن كل مرحلة تُدار بمعزل عن الأخرى، رغم أنها في الواقع سلسلة واحدة، تبدأ من باب القبول في الكليات — التي تجاوزت 80 كلية لطب الأسنان وحدها، مقابل 15 كلية فقط في الولايات المتحدة رغم فارق عدد السكان
القضية إذن ليست أزمة واحدة، بل تكرار للنمط
نفسه.
أكثر من 5400 حالة موثقة في ثلاثة ملفات فقط، قبل الدخول في بقية الملفات غير المكتملة رقميًا.
لكن الأهم من الأرقام هو ما تكشفه الصورة الكاملة: منظومة تحتاج إلى تخطيط يبدأ من التعليم، ويمتد إلى التكليف، ثم النيابة، ثم التوزيع، ثم الدواء.
طبيب بلا نيابة.. خريج بلا تكليف.. انتقالات غير محسوبة.. ومريض يبحث عن دوائه. ليست أربع أزمات منفصلة، بل حلقة واحدة تحتاج إلى إعادة ضبط من البداية.