عاجل

لم تعد الشائعات مجرد أخبار كاذبة عابرة، يمكن أن تمر دون تأثير، بل أصبحت إحدى أدوات حروب الجيل الجديد، ووسيلة تستهدف ضرب الثقة في مؤسسات الدولة، وإرباك الاقتصاد، وإضعاف التماسك المجتمعي. ومع الانتشار الواسع لوسائل التواصل الاجتماعي، باتت الشائعة تنتقل في لحظات، وتتجاوز الحدود الجغرافية، لتصل إلى ملايين المتابعين قبل أن تتاح الفرصة للتحقق من مصدرها أو مضمونها، بما يجعلها قادرة على صناعة أزمات مصطنعة والتأثير في الرأي العام.

وتكمن خطورة الشائعات في أنها لا تستهدف المعلومات فقط، وإنما تستهدف الوعي قبل أي شيء آخر؛ فحين تهتز ثقة المواطن في مصادر المعلومات، يصبح المجتمع أكثر قابلية للارتباك والفوضى، وتتأثر حركة الاستثمار والإنتاج، وتتراجع الثقة في الأسواق، وتُهدر جهود التنمية. ولذلك، فإن حماية الوعي الوطني لم تعد مسؤولية جهة بعينها، وإنما أصبحت قضية أمن قومي، تتطلب مشاركة الدولة والإعلام والمؤسسات التعليمية والمجتمع المدني والمواطن نفسه.

وتزداد خطورة الشائعة عندما ترتبط بالقضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطن، مثل الأسعار، والاقتصاد، والقرارات الحكومية، والخدمات، والأوضاع الأمنية، حيث تستغل بعض الجهات حالة القلق أو عدم المعرفة لتقديم معلومات مجتزأة أو مضللة، ثم إعادة تدويرها عبر الحسابات والمنصات المختلفة، حتى تبدو الأكذوبة وكأنها حقيقة متداولة.

ومن هنا، فإن مواجهة الشائعات لا ينبغي أن تقتصر على الرد عليها بعد انتشارها، وإنما يجب أن تقوم على منظومة استباقية تعتمد على سرعة إتاحة المعلومات الصحيحة، والشفافية، والقدرة على التواصل الفعال مع المواطنين. فكلما كانت المعلومة الرسمية واضحة وسريعة ومتاحة، ضاقت المساحة التي يمكن أن تتحرك فيها الشائعة، وتراجع تأثير مروجيها.

كما أن الإعلام المهني يتحمل مسؤولية محورية في هذه المعركة، من خلال تقديم المعلومات الدقيقة، والابتعاد عن الإثارة، وتدقيق الأخبار قبل نشرها، وشرح الحقائق بصورة مبسطة تصل إلى مختلف شرائح المجتمع. فالإعلام لا يواجه الشائعة فقط بكشف زيفها، وإنما يواجهها أيضًا ببناء الثقة وتقديم المعرفة التي تمنع انتشارها من الأساس.

وفي المقابل، أصبح من الضروري تعزيز الثقافة الرقمية لدى المواطنين، خاصة الشباب، وتعليمهم كيفية التحقق من مصادر الأخبار، والتمييز بين الحسابات الرسمية والمجهولة، وعدم الانسياق وراء العناوين المثيرة أو الصور ومقاطع الفيديو التي تخرج من سياقها. فالمواطن الواعي لا يكون مجرد متلقٍ للمعلومة، وإنما يصبح شريكًا في حماية المجتمع من التضليل.

وتفرض خطورة الظاهرة كذلك تطوير الأطر القانونية والتنظيمية بما يواجه صناعة الشائعات وترويجها وتمويل الحملات الممنهجة التي تستهدف الاقتصاد أو الأمن أو السلم الاجتماعي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على حرية التعبير المسؤولة، بحيث لا تتحول المنصات الرقمية إلى ساحات مفتوحة للإضرار بالمصلحة العامة أو نشر الأكاذيب بصورة متعمدة.

إن الحفاظ على مقدرات الدولة لا يقتصر على حماية الحدود والمنشآت، وإنما يشمل أيضًا حماية العقول من التضليل، والثقة من التشويه، والوعي من الاستهداف. فالمعركة الحقيقية مع الشائعة تبدأ من عقل المواطن، وتنتهي بقدرته على التمييز بين الحقيقة والادعاء.

وعندما يتكامل القانون مع الإعلام المهني، والتعليم، والشفافية، وثقافة المسؤولية الرقمية، تتحول الحقيقة إلى قوة وطنية قادرة على إسقاط الشائعات قبل أن تتحول إلى أزمات. ويبقى الوعي الجمعي هو الحصن الأقوى، وخط الدفاع الأول، في مواجهة كل محاولات العبث باستقرار الدولة ومستقبلها.

تم نسخ الرابط