لكل حرية قيد، فلا حرية مطلقة إلا لمن يملك كل شيء.. ومن منا يملك كل شيء؟ لا أحد يملك شيئًا من الأساس.
لقد استخلفنا الله في الأرض، نمارس حياتنا فيها بمبدأ حق الانتفاع، ونوهم أنفسنا أحيانًا أننا نملك الأشياء ملكية مطلقة، بينما الحقيقة أن ما بين أيدينا من نعم هو أمانة ومسؤولية قبل أن يكون ملكية.
من يملك صحته ليهدرها باسم الحرية؟ ومن يملك المال لينفقه بلا حساب وبلا ضابط؟ ومن يملك عمره ليبدده كما يشاء؟ قِس على ذلك كل نعمة حباها الله لعبده، واستخلفه فيها، ومنحه حق الانتفاع بها وفق ضوابط تحفظها وتحفظه.
وتختلف حدود الحرية باختلاف مجالها؛ فحدود قوتك ليست كحدود علمك، وحدود الاثنين ليست كحدود شهوتك، وهكذا حتى تكتشف أنك محاط لقيود كثيرة دون أن تشعر.. وأنك، في الحقيقة، لست حرًا بالمعنى المطلق؛ لأنك ببساطة لا تملك شيئًا ملكًا مطلقًا.
وهل للحرية مخاطر؟ نعم.. ولهذا وُجدت قيودها.
فالقيود ليست عدوًا للحرية، وإنما هي في الأصل لحمايتها وحماية الإنسان والمجتمع من مخاطر الانفلات. تحمي الفرد أولًا من نفسه الأمارة بالسوء، وتحميه من تجاوزات الآخرين وتعديهم على حدود حريته. وربما لا يطفو الحديث عن الحرية إلى السطح إلا عندما تبدأ حدودها في الاختفاء من تعاملات البشر، أو عندما يخلط البعض بين أن يكون حرًا في اختياراته وبين أن يكون حرًا في الاعتداء على اختيارات الآخرين وحقوقهم.
وحتى لو عاش الإنسان في جزيرة معزولة، بعيدًا عن الناس والمجتمع، تظل لحريته قيود؛ لأن الإنسان مسؤول أيضًا عن نفسه، وعن جسده، وعقله، وماله، ووقته، وكل ما اؤتمن عليه.
ثم تأتي وظيفة أخرى لقيود الحرية: حماية المجتمع من ويلات غياب الانضباط، التي تبدأ عندما يتعدى أفراده بعضهم على بعض، أو عندما تمتد حريتهم المزعومة إلى الاعتداء على المجتمع وممتلكاته العامة والخاصة.
فالحرية مبدأ لا يتجزأ، لكنها في مفهومها الصحيح لا تعني أن تفعل ما تشاء، وإنما أن تمارس حقك دون أن تسلب غيرك حقه، ودون أن تلحق به ضررًا أو تمس حريته وكرامته وخصوصيته.
ومع كل تطور في الحياة، أصبحت الحدود أكثر التباسًا. قديمًا، كان الحصول على صورة فوتوغرافية قصة قصيرة عمرها أيام، ثم أصبح الأمر يستغرق ثوانٍ معدودة، ثم جزءًا من الثانية على شاشة صغيرة تحملها في يدك.
وجاءت وسائل التواصل الاجتماعي، فتحولت الصورة من لحظة شخصية إلى محتوى يمكن أن يصل في ثوانٍ إلى من تعرفه ومن لا تعرفه. وأصبح كل فرد قادرًا على نشر تفاصيل حياته أمام جمهور لا يعرف معظمه، عبر حسابات ومنصات يملكها آخرون.
هنا اختلطت عند كثيرين حدود الحرية بقيودها. بدأ الأمر بنشر ما يخص الفرد، ثم مشاركة صور ومقاطع لآخرين دون استئذانهم، ثم إعادة تداولها، حتى وصلنا إلى مرحلة تحولت فيها كاميرا الهاتف، التي اخترعت في الأصل لتوثيق اللحظات، إلى أداة يستخدمها البعض في التشهير وانتهاك الخصوصية.
والأخطر أن الأمر لم يعد يتوقف عند من يصور وينشر؛ فهناك من يشارك، ومن يعيد النشر، ومن يضغط زر الإعجاب، وكأن المسؤولية تتوقف عند صاحب المحتوى الأول.
والحقيقة أن إعادة نشر مادة تنتهك خصوصية إنسان أو تشهر به ليست موقفًا محايدًا.. بل قد تكون مشاركة في استمرار الضرر واتساع نطاقه.
لذلك، ربما يكون الأولى بنا ألا نساهم في جرائم التشهير بإعادة نشرها، وإنما أن نئدها في مهدها. والأهم أن نغرس في نفوس أبنائنا قيمة الحرية بمفهومها الصحيح؛ أن نعلمهم معنى الحرية، وحدودها، ولماذا ومتى وكيف نمارسها، وأن نذكرهم دائمًا بأن الحرية التي تهدم حق الآخرين ليست حرية.. وأن الحرية بلا مسؤولية قد تتحول من حق إلى خطر.
فالحرية ليست أن تفعل ما تريد.. الحرية أن تعرف ما يحق لك أن تفعله، وما يجب عليك ألا تفعله.
وتلك هي.. قيود الحرية.