لا حديث يعلو فوق حديث شرائح المحمول في تلك اللحظة بعد أن فوجئ المصريون أن شرائح هواتفهم يمكن استخدامها في عمليات إجرامية كثيرة قد تضيع مستقبلهم تمامًا، هذا من ناحية، ومن ناحية أخرى فاستعلامات المصريون عن الخطوط المرتبطة ببطاقتهم الشخصية كشفت الكثير من الثغرات في تلك المنظومة، ما دفع الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات من إحالة شركات الاتصالات الاربعة إلى النيابة العامة لوضع حدًا لتلك الكارثة.
المثير في الأمر أن الحل يكمن في التكنولوجيا، وبإجراءات بسيطة جدًا يمكن من خلالها ضبط الأمور وحماية المستهلكين من أي تلاعب قد يلجأ إليه المجرمون، وهذا بالضبط ما دعوت إليه مراراً خلال السنوات الماضية وعبر الكثير من مقالات الرأي والمداخلات التلفزيونية، فالتكنولوجيا لم تعد رفاهية واستخدامها في كل اوجه الحياة لم يعد ترفًا أو شيئًا يستهان به.
ولنعرف مدى تداعيات ذلك علينا أولا التأكيد على أن خطوط الهاتف هي ركن أساسي من "الهوية الرقمية" وهي أيضًا البوابة إلى تطبيقات المراسلة والحسابات البنكية والمحافظ الإلكترونية وخدمات الدفع، وحتى منصات التواصل الاجتماعي، وعندما تكون تلك الخطوط خارج السيطرة يصبح المستخدمين أكثر عرضة للوقوع في دائرة الاشتباه.
الأزمة هنا أن المخاطر لا تتوقف عند حدود الجرائم العادية مثل الاحتيال المالي أو حتى تهريب المخدرات، فهذه الخطوط باتت الملاذ الآمن والوسيلة الأسهل لارتكاب أبشع الجرائم ومنها الإرهابية مثل تفجير بعض العبوات الناسفة عن بعد عبر مكالمة هاتفية وغيرها.
رغم تلك الخطوة فإن الحل التكنولوجي موجود وبسيط، وهو لا يتعلق ببصمات الوجه "فيس آي دي" كما يروج البعض لأن بعض التطبيقات الحكومية التي تعتمد على Face ID تواجه مشكلات فنية تعيق خروج الخدمة بنجاح، ولا أفشي سرًا حين أقول أن مصر ليست لديها داتا كبيرة لكل الوجوه حتى نقول أن تلك هي الوسيلة الأفضل.
لكن على الجانب الآخر هناك المنظومة البيومترية والتي يتم استخدامها حاليًا في مكاتب الشهر العقاري وهي تعتمد في المقام الأول على أجهزة البصمة الحية، ويمكن تطبيقها في فروع الاتصالات بإلزام جميع منافذ بيع الخطوط بأجهزة قراءة "بصمة الإصبع" ومن ثم ربطها بقاعدة البيانات الجنائية للمواطنين.
تلك الخطوة يجب أن يعقبها أيضًا خطوات أخرى مثل الحضور الإلزامي فلا يتم تفعيل أي شريحة هاتفية إلا بحضور المواطن شخصيا للإدلاء ببصمته التي لا يمكن تقليدها أو تزويرها كالبطاقات، وكذلك اشتراط صاحب الهوية نفسه قبل تفعيل خطه من خلال رسالة في تطبيق رسمي مثل My NTRA أو منصة هوية رقمية حكومية، وهكذا يصبح عثور أي فرد على بطاقتك الشخصية أمر غير مفيد على الإطلاق.
ما أقوله ليس بجديد ولا هو بناء من الصفر فمنصة My NTRA مثلا بها خدمة "أرقامي" التي تتيح لك معرفة الخطوط المسجلة برقمك ومتاح بها الاعتراض أو طلب إلغاء الخطوط التي لا تعرفها، لكن تظل تلك آلية اكتشاف بعد وقوع الواقعة والمطلوب هو منع الواقعة من الأساس من خلال المنظومة البيومترية.
الأهم أن تلك المنظومة قد تكون خطوة لمنظومة أكثر تعقيدًا وهي التي تشمل بصمات الوجه واليد، وتستطيع حماية المواطنين في النهاية من أخطر القضايا، إذ أن شرائح الهاتف يمكن درجها بكل سهولة تحت خانة "الأمن القومي المصري" لأن عبرها يتم ارتكاب الكثير من الجرائم كما أوضحنا.