هناك مفارقة اقتصادية تستحق أن نتوقف أمامها بجدية.. المؤشرات تقول إن الاقتصاد المصري يتحرك إلى الأمام، والنمو يستعيد معدلات أفضل، والتضخم انخفض كثيراً عن ذروته السابقة، بينما لا يزال المواطن يقف أمام عربة التسوق أو فاتورة الكهرباء أو مصروفات المدرسة، ثم يقول ببساطة: "أنا لا أشعر بتحسن"!
والحقيقة أن المواطن ليس مخطئاً ، كما أن المؤشرات ليست بالضرورة مخطئة.
المشكلة أن كل طرف يتحدث عن اقتصاد مختلف.
صندوق النقد الدولي يتحدث عن نمو اقتصادي متوقع لمصر بنحو 4.6% خلال 2026، وهي إشارة إيجابية إلى تحسن النشاط الاقتصادي. وفي المقابل، أظهرت أحدث البيانات ارتفاع التضخم الحضري السنوي إلى 14.9% في يوليو، بينما ارتفع التضخم الأساسي إلى 14.7%.
لكن المواطن لا يعيش داخل جدول المؤشرات.. المواطن يعيش داخل السوق.
وهنا تبدأ الحكاية.
أكبر سوء فهم في الحديث عن التضخم هو الاعتقاد بأن انخفاض التضخم يعني انخفاض الأسعار. وهذا غير صحيح. التضخم هو معدل زيادة الأسعار، فإذا ارتفع سعر سلعة من عشرة جنيهات إلى خمسة عشر جنيهاً ثم استقر عند خمسة عشر، فإن التضخم قد يتراجع، لكن السعر لم يعد إلى عشرة جنيهات، والمواطن لم يسترد ما فقده من قوته الشرائية.
بمعنى أكثر وضوحا. انخفاض سرعة ارتفاع الأسعار لا يعني عودة الأسعار إلى ما كانت عليه.
وهذه هي الفجوة التي لا تلتقطها الأرقام بسهولة.
فالمؤشرات الاقتصادية تقيس متوسطات واسعة، بينما المواطن لديه "سلة استهلاك" خاصة به. الأسرة محدودة الدخل تنفق نسبة أكبر من دخلها على الغذاء والمواصلات والسكن والخدمات الأساسية، ولذلك فإن تجربتها مع التضخم قد تكون أكثر قسوة من المتوسط العام الذي تعكسه الأرقام.
ثم تأتي قضية الدخل الحقيقي.
قد يزيد راتب الموظف، أو يتحسن دخل العامل، لكن السؤال الحقيقي ليس كم زاد الدخل؟ وإنما ماذا يستطيع هذا الدخل أن يشتري؟
فالزيادة الاسمية في الأجر لا تعني بالضرورة زيادة حقيقية في مستوى المعيشة. إذا ارتفعت الأسعار بوتيرة أسرع من الدخل، فإن المواطن يصبح أفقر حتى لو كان راتبه قد زاد.
وهنا تحديداً يجب أن ننتقل من اقتصاد "النمو" إلى اقتصاد "الإحساس بالنمو".
الناتج المحلي الإجمالي يمكن أن ينمو، والاستثمارات يمكن أن ترتفع، والسياحة يمكن أن تحقق إيرادات أفضل، والصادرات يمكن أن تتوسع، وكل ذلك مهم للغاية للاقتصاد الوطني. لكن المواطن يريد أن يرى انعكاس هذه الحركة في حياته اليومية .فرصة عمل أفضل، دخل حقيقي أعلى، أسعار أكثر استقرارًا، خدمات أفضل، وقدرة أكبر على الادخار.
وهذا لا يحدث بين ليلة وضحاها.
هناك فجوة زمنية بين تحسن المؤشرات الكلية وانتقال أثرها إلى جيوب المواطنين. الشركات تحتاج إلى وقت، وسوق العمل يحتاج إلى وقت، والأجور تحتاج إلى وقت، والأسعار نفسها تحتاج إلى وقت حتى تستقر.
لكن هناك نقطة أخرى أكثر أهمية وهى جودة النمو وتوزيعه.
فليس كل نمو اقتصادي متساوي الأثر على المواطنين. المهم ليس فقط أن يكبر حجم الاقتصاد، وإنما أين يذهب هذا النمو؟ وهل يخلق وظائف؟ وهل يزيد الإنتاج المحلي؟ وهل يرفع دخول الطبقة المتوسطة؟ وهل يفتح فرصا حقيقية أمام الشباب؟
هذه هي الأسئلة التي يجب أن تكون في قلب الخطاب الاقتصادي.
لذلك فإن التحدي المقبل ليس فقط تحقيق معدلات نمو أعلى، وإنما تحويل النمو إلى تحسن محسوس في مستوى المعيشة.
المواطن لا يأكل معدل النمو، ولا يدخر الناتج المحلي، ولا يدفع فاتورة الكهرباء بمؤشر التضخم.
المواطن يعيش السعر.. ويتقاضى الدخل.. ويقيس قدرته على الشراء.
وهنا نصل إلى اللحظة الفارقة.
لقد أصبح إعداد برنامج اقتصادي وطني شامل ضرورة لا مفر منها، خصوصا مع اقتراب انتهاء برنامج الإصلاح الاقتصادي مع صندوق النقد. والرئيس عبد الفتاح السيسي وجّه بالفعل بإعداد برنامج وطني مصري خالص يبدأ عقب انتهاء برنامج الإصلاح، ويستكمل ما تحقق من إصلاحات، وينقل الاقتصاد من مرحلة تثبيت الاستقرار إلى مرحلة الانطلاق نحو النمو المستدام، بما ينعكس بصورة مباشرة على تحسين مستوى معيشة المواطنين.
وهذا في حد ذاته تطور مهم ، لأن مصر لا يمكن أن تظل إلى ما لا نهاية في مرحلة إدارة الاختلالات، وإنما يجب أن تنتقل إلى مرحلة جديدة يكون فيها الهدف تحويل الاستقرار إلى نمو، والنمو إلى حياة أفضل.
لكن هذا البرنامج لا ينبغي أن يكون مجرد نسخة أخرى من برامج الإصلاح التقليدية، ولا مجموعة جديدة من الجداول والأهداف والنسب المئوية.
نحن بحاجة إلى فكر اقتصادي جديد، وإلى مسؤولين جدد يفهمون أن الأولوية هي تحسين مستوى معيشة المواطن بصورة يلمسها المواطن نفسه.
نحتاج إلى مسؤول يسأل قبل أن يحتفل بأي رقم اقتصادي ماذا يعني هذا الرقم بالنسبة للأسرة المصرية؟ ومتى يشعر المواطن بأثره؟ وكيف نخفض تكلفة احتياجاته الأساسية؟ وكيف نرفع دخله الحقيقي؟ وكيف نمنحه قدرة أكبر على الادخار والاستثمار في مستقبل أسرته؟
وهنا يجب أن يصبح تحسين مستوى المعيشة هدفًا اقتصاديًا قابلًا للقياس، وليس مجرد نتيجة ننتظر أن تأتي تلقائيًا بعد تحسن المؤشرات.
نريد أن نعرف هل زادت القوة الشرائية؟ هل انخفضت تكلفة الاحتياجات الأساسية؟ هل ارتفعت الأجور الحقيقية؟ هل تحسنت فرص العمل؟ هل أصبح المواطن قادرا على الادخار؟ وهل انخفضت نسبة ما تنفقه الأسرة على الضروريات من إجمالي دخلها؟
هذه هي المؤشرات التي يجب أن تقف إلى جوار أرقام النمو والتضخم والاستثمار والدين.
فالرقم الاقتصادي مهم، والاستثمار مهم، والنمو مهم، واستقرار المالية العامة مهم.. لكن كل هذه المؤشرات تظل في النهاية وسائل وليست غاية.
الغاية هي الإنسان.
المواطن لا يأكل معدل النمو، ولا يدخر الناتج المحلي، ولا يدفع فاتورة الكهرباء بمؤشر التضخم.
المواطن يعيش السعر.. ويتقاضى الدخل.. ويقيس الاقتصاد بقدرته على الشراء والادخار والعيش بكرامة.
ومن هنا فإن نجاح البرنامج الاقتصادي الوطني الجديد يجب ألا يُقاس فقط بما تقوله المؤسسات الدولية، أو بما يظهر في التقارير الرسمية، وإنما بما يشعر به المواطن عندما يدخل السوق، ويدفع فواتيره، ويخطط لمستقبل أسرته.
نحن لا نحتاج إلى أرقام أجمل فقط.. نحتاج إلى حياة أفضل.
ولا نحتاج إلى مسؤولين يجيدون شرح الرسم البياني بقدر ما نحتاج إلى مسؤولين يستطيعون تحويل هذا الرسم البياني إلى واقع.
فالإصلاح الاقتصادي الحقيقي لا ينتهي عند تحسن المؤشرات، وإنما يبدأ عندما تتحول هذه المؤشرات إلى دخل حقيقي، وأسعار أكثر استقرارا ، وفرص عمل أفضل، وقوة شرائية أعلى.
الرسم البياني مهم.. لكنه لا يكفي.
لأن المواطن لا يعيش داخل الرسم البياني.
المواطن يعيش الاقتصاد.
ومن هنا فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة بسيط وواضح .هل سيظل التحسن الاقتصادي مجرد رقم صاعد على شاشة، أم يتحول إلى تحسن يراه المواطن في جيبه وبيته وحياته؟
فالاقتصاد في النهاية ليس أرقاماً على شاشة..
الاقتصاد حياة الناس.