اعتاد كثيرون النظر إلى السيولة باعتبارها مجرد أموال متاحة لدى الأفراد أو الشركات، بينما الحقيقة الاقتصادية أكثر تعقيدًا من ذلك. فالسيولة ليست رقمًا في الحسابات البنكية، وإنما هي قدرة الاقتصاد على تحويل الأموال إلى معاملات، والمعاملات إلى استثمارات، والاستثمارات إلى قيمة مضافة. وعندما تتباطأ هذه الدورة، لا يتجمد المال فقط، بل تتباطأ معه حركة السوق بأكملها.
هذه الحقيقة تنطبق بوضوح على القطاع العقاري المصري، الذي يواجه اليوم تحديًا يتجاوز ارتفاع الأسعار أو تغير سلوك المشترين. فالمشكلة الأساسية تكمن في أن دورة السيولة أصبحت أبطأ من قدرة السوق على إنتاج مشروعات جديدة، وهو ما خلق فجوة بين ما يُبنى وما يُباع، وبين ما يُعرض وما يستطيع السوق استيعابه.
ولسنوات طويلة، كان المطور العقاري هو المحرك الرئيسي للسيولة داخل القطاع. فهو الذي يمول شراء الأرض، ويتحمل تكلفة الإنشاء، ويمنح العميل تقسيطًا طويل الأجل، وينتظر سنوات حتى يسترد استثماراته. هذا النموذج نجح في فترات كان فيها التضخم أكثر استقرارًا وتكلفة التمويل أقل، لكنه أصبح اليوم يضع عبئًا متزايدًا على الشركات مع ارتفاع تكاليف البناء والتمويل وتغير سرعة دوران رأس المال.
ومن هنا يبرز سؤال جوهري: هل من المنطقي أن يظل المطور هو الممول الأكبر للسوق؟
الإجابة الاقتصادية تميل إلى النفي. فالسوق الناضجة لا تعتمد على طرف واحد لتمويل دورة كاملة بهذا الحجم، بل تبني منظومة تتوزع فيها الأدوار بين المطور، والمؤسسات المالية، والمستثمرين، وشركات التمويل، بما يضمن استمرار حركة السيولة دون إنهاك أي طرف.
إن أكبر خطأ يمكن أن يقع فيه القطاع اليوم هو الخلط بين «تمويل المشروع» و«تمويل العميل». فالمطور يحتاج إلى تمويل يساعده على التنفيذ، بينما يحتاج العميل إلى تمويل يمنحه القدرة على الشراء. وعندما يتحمل المطور المهمتين معًا، تصبح السيولة أكثر هشاشة، ويزداد الضغط على التدفقات النقدية، وتتراجع قدرة الشركات على التوسع وإطلاق مشروعات جديدة.
ولهذا فإن مستقبل السوق لن يتحدد بعدد الأبراج التي تُشيَّد، وإنما بسرعة دوران السيولة داخل المنظومة. فكل جنيه ينتقل بسرعة بين المستثمر، والممول، والمطور، والمقاول، والمشتري، يخلق قيمة اقتصادية تتجاوز قيمته الاسمية، بينما الجنيه الذي يتجمد داخل دورة بيع بطيئة يفقد جزءًا من أثره على النشاط الاقتصادي.
كما أن مفهوم السيولة في العقار لا يرتبط فقط بتوافر التمويل، بل بسرعة اتخاذ القرار، وكفاءة الإجراءات، ومرونة المنتجات المالية، ووجود سوق ثانوية نشطة تسمح بإعادة البيع والتخارج، لأن المستثمر الذي يدرك أن بإمكانه الخروج من استثماره بسهولة يكون أكثر استعدادًا للدخول إليه من البداية.
ومن هنا، فإن الحديث عن تنشيط السوق لا ينبغي أن يقتصر على زيادة الطلب أو تقديم عروض بيعية جديدة، بل يجب أن يمتد إلى إعادة تصميم دورة السيولة نفسها. فكل خطوة تختصر زمن التمويل، أو تقلل تكلفة المعاملة، أو توسع قاعدة المستثمرين، هي في حقيقتها استثمار مباشر في رفع كفاءة السوق.
ولا يعني ذلك أن الدولة أو البنوك وحدها مسؤولة عن هذه المهمة. فالمطورون أيضًا مطالبون بالانتقال من ثقافة «بيع الوحدات» إلى ثقافة «إدارة السيولة». فالشركة التي تنجح في بناء شراكات تمويلية، وتطوير منتجات تتناسب مع احتياجات شرائح مختلفة، وابتكار نماذج جديدة للتملك والاستثمار، ستكون الأكثر قدرة على الصمود في سوق تتغير قواعده بسرعة.
إن الأسواق العقارية الكبرى لم تصل إلى استقرارها لأنها بنت أكثر، وإنما لأنها جعلت المال يتحرك بكفاءة أعلى. وهذه هي المعادلة التي يحتاجها السوق المصري اليوم؛ فالعقار لا يفتقر إلى الفرص، ولا إلى المشروعات، ولا حتى إلى الرغبة في الاستثمار، لكنه يحتاج إلى دورة سيولة أكثر مرونة، وأقل تكلفة، وأسرع دورانًا.
وفي النهاية، فإن الاقتصاد يعلمنا أن السوق لا يقاس بحجم الأموال الموجودة داخله، بل بسرعة حركتها. وفي العقار تحديدًا، قد تكون سرعة دوران السيولة أكثر تأثيرًا من حجمها، لأنها هي التي تحدد قدرة الشركات على البناء، وقدرة العملاء على الشراء، وقدرة السوق بأكمله على الاستمرار في النمو. ولذلك، فإن من ينجح في صناعة السيولة، لن ينجح فقط في بيع وحداته، بل سيشارك في إعادة تشكيل مستقبل القطاع العقاري المصري.