عاجل

لم تعد الصناعة خياراً تنموياً بل أصبحت قضية أمن اقتصادي وقومي في عالم يشهد اضطرابات متلاحقة في سلاسل الإمداد والتوريد وتصاعداً في المنافسة الدولية على جذب الاستثمارات والتكنولوجيا حيث تمثل الاستراتيجية الصناعية الوطنية 2026–2030 نقطة تحول في الفكر الاقتصادي المصري إذ تستهدف بناء اقتصاد يقوده الإنتاج والتصدير بدلاً من الاعتماد على الاستيراد والاستهلاك وبما يعزز قدرة مصر على تحقيق نمو مستدام وتوفير فرص العمل وزيادة مواردها من النقد الأجنبي بما يتوافق مع رؤية مصر 2030.
وتسهم الصناعة التحويلية بنسبة 15% من الناتج المحلي الإجمالي فى حين تركيا تتجاوز النسبة 22%  وفيتنام مابين  24-25% والصين نحو 26% كما توفر الصناعة فى مصر 13% من إجمالي فرص العمل ونحو 64.5% من الصادرات غير البترولية وهو ما يجعلها أحد أهم محركات النمو الاقتصادي وتستهدف مصر رفع مساهمة الصناعة تدريجياً إلى 20% من الناتج المحلي الإجمالي خلال السنوات المقبلة بالتوازي مع تحقيق مستهدف 100 مليار دولار من الصادرات السلعية بحلول عام 2030.
وقد حظيت الاستراتيجية بمتابعة مباشرة من الرئيس عبد الفتاح السيسي الذي شدد على ضرورة إعداد برنامج تنفيذي واضح يتضمن جداول زمنية ومؤشرات أداء قابلة للقياس لكل محور بما يضمن سرعة التنفيذ ومحاسبة الجهات المنفذة وإزالة المعوقات أمام المستثمرين بصورة مستمرة وتؤكد هذه المتابعة أن مصر انتقلت من مرحلة إعداد الخطط إلى مرحلة الإدارة بالنتائج.
وتقوم الاستراتيجية على رؤية واضحة مفادها أن مستقبل الاقتصاد المصري يعتمد على الصناعات القادرة على تحقيق أعلى قيمة مضافة وزيادة الصادرات ونقل التكنولوجيا وتوفير فرص العمل ومن هنا جاء التركيز على 7 قطاعات رئيسية تشمل الملابس الجاهزة والمنسوجات والصناعات الغذائية والصناعات الدوائية وصناعة السيارات والصناعات الكهربائية والصناعات الهندسية والإلكترونيات باعتبارها قطاعات تمتلك فرصاً كبيرة للنمو والاندماج في سلاسل القيمة العالمية.
ويمثل تعميق التصنيع المحلي أحد أهم محاور الاستراتيجية فالتحدي الحقيقي لا يكمن في زيادة عدد المصانع فقط وإنما في تصنيع المكونات والخامات الوسيطة التي ما زالت تستورد من الخارج فكل زيادة في نسبة المكون المحلي تعني خفض فاتورة الاستيراد ورفع القيمة المضافة وزيادة الطلب على الموردين المحليين وتحسين ميزان المدفوعات.
كما يشكل إعادة تأهيل المصانع المتعثرة مساراً سريعاً لتعزيز الإنتاج لأن إعادة تشغيل مصنع قائم أقل تكلفة وأسرع زمناً من إنشاء مصنع جديد فضلاً عن الحفاظ على العمالة والخبرات المتراكمة بشرط امكانية المنافسة محليا وأن تكون تكلفة اعادة التأهيل لاتتجاوز اقامة مصنع جديد ولذلك فإن إنشاء آلية مؤسسية دائمة لإعادة هيكلة وتشغيل هذه المصانع بالشراكة مع القطاع الخاص والمؤسسات المالية سيكون من أفضل الإجراءات تأثيراً في زيادة الطاقة الإنتاجية.
كما يمثل البرنامج الوطني لتنمية صناعة السيارات نموذجاً لتوطين الصناعات الاستراتيجية حيث يستهدف بناء صناعة متكاملة تشمل السيارات والمكونات والصناعات المغذية بما يؤهل مصر للتحول إلى مركز إقليمي للإنتاج والتصدير مستفيدة من موقعها الجغرافي وشبكة الطرق والموانئ واتفاقيات التجارة الحرة التى عقدتها مصر مع الأسواق العربية والأفريقية والأوروبية.

وقد دعمت مصر هذه التوجهات بالسردية الوطنية للتنمية الاقتصادية وهي الرؤية الاستراتيجية التي تحدد أولويات التنمية في مصر وتوجه اختيار الصناعات الأكثر قدرة على تحقيق النمو المستدام وزيادة الصادرات وجذب الاستثمارات وتوطين التكنولوجيا، وتعميق التصنيع المحلي وتعزيز القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني وكذا بحزمة من الإصلاحات التشريعية والتنظيمية شملت تبسيط إجراءات التراخيص الصناعية والتوسع في تطبيق الرخصة الذهبية للمشروعات الاستراتيجية وتطوير منظومة تخصيص الأراضي الصناعية والتحول الرقمي للخدمات وتيسير الإفراج الجمركي بما يسهم في تحسين مناخ الاستثمار.
وتظل القارة الأفريقية فرصة للصناعة المصرية في ظل النمو المتسارع لأسواقها واتفاقيات التجارة الحرة الإقليمية غير أن الاستفادة الكاملة من هذه الفرصة تتطلب الانتقال من مجرد التصدير إلى بناء وجود دائم عبر مراكز لوجستية ومخازن وشبكات توزيع وخدمات ما بعد البيع داخل الأسواق الأفريقية بما يعزز تنافسية المنتج المصري ويضمن استدامة تواجده فى ظل منافسة شرسة من بعض الدول خاصة الصين.
ومن منظور استراتيجي، فإن نجاح الاستراتيجية الصناعية يتطلب الانتقال إلى مرحلة أكثر تقدما تقوم على 5 أولويات عملية هى : إعداد خريطة سنوية للواردات القابلة للإحلال وربط الحوافز بنسبة القيمة المضافة المحلية وإطلاق برنامج "1000 مورد مصري" لدمج المشروعات الصغيرة ومتناهية الصغر في سلاسل الامداد والتوريد وتأسيس مراكز لنقل التكنولوجيا الصناعية وتأسيس مرصد وطني لمتابعة تنافسية الصناعة المصرية ومؤشرات أدائها بصورة دورية.
كما أن الاستثمار في رأس المال البشري لا يقل أهمية عن الاستثمار في المصانع فالصناعة الحديثة أصبحت تعتمد على المهارات الرقمية والأتمتة والذكاء الاصطناعي وبالتالى فإن ربط التعليم الفني باحتياجات الصناعة والتوسع في التدريب التطبيقي أصبح شرطاً أساسياً لتعزيز الإنتاجية وجذب الصناعات عالية التقنية.
هذا، وتمثل الاستراتيجية الصناعية الوطنية فرصة لإعادة تشكيل هيكل الاقتصاد المصري لكن نجاحها لن يقاس بعدد المصانع الجديدة وإنما بقدرتها على رفع الإنتاجية وتعميق التصنيع المحلي وزيادة الصادرات وخلق وظائف ذات قيمة مضافة مرتفعة مع سرعة التنفيذ باستقرار السياسات وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص والاستثمار في التكنولوجيا والكوادر البشرية حيث تمتلك مصر بالفعل المقومات اللازمة للتحول إلى مركز صناعي إقليمي وجعل الصناعة القاطرة الحقيقية للنمو الاقتصادي خلال العقد المقبل.

تم نسخ الرابط