لم تكن العقائد المتباينة، ولا الأطماع الاقتصادية، ولا صراعات القوى الكبرى هي المسؤول الأول عن أنهار الدم التي سالت عبر التاريخ البشري؛ بل كان المسؤول، في جوهر الأمر، ذلك الوهم العتيق الذي يتسلل إلى العقل حين يخلط بين محدودية فهمه وكمال الحقيقة، فيتوهم أنه بلغ يقينًا لا يداخله شك، وأنه ارتفع فوق الخطأ بحكم امتلاكه للصواب المطلق.
فمنذ اللحظة التي يظن فيها الإنسان أنه تجاوز حدود بشريته القاصرة، وأن فهمه أصبح معصومًا من الزلل، لا تعود أفكاره مجرد قناعات يدافع عنها، بل تتحول إلى مقصلة فكرية لا ترى في كل مخالف إلا خطأً يجب استئصاله، أو عدوًا ينبغي إقصاؤه.
فالأفكار، مهما بلغت من السمو، لا تتحول إلى كوارث إلا عندما يتوقف أصحابها عن معاملتها بوصفها اجتهادًا في فهم الحقيقة، ويبدؤون في معاملتها باعتبارها الحقيقة ذاتها. هناك، في تلك اللحظة الصامتة التي يختلط فيها المقدس بالتأويل، ويذوب فيها النص داخل قارئه، يولد أخطر أوهام العقل الإنساني: وهم العصمة الفكرية.
إن الحضارات العظيمة لم تُبنَ لأن أصحابها امتلكوا أجوبة نهائية، بل لأنها امتلكت شجاعة مراجعة أجوبتها. أما الحضارات التي سقطت في مستنقع الاستعلاء الفكري، فقد بدأت انهيارها يوم أعلنت - صراحة أو ضمنًا - أن باب المراجعة قد أُغلق، وأن الحقيقة أصبحت حكرًا على جماعة، أو حزب، أو عِرق، أو مفسر واحد.
وبناءً على ذلك، تبدو أكثر الحركات راديكاليةً وعنفًا في التاريخ، على اختلاف شعاراتها وتباين مرجعياتها العقدية والسياسية، وكأنها خرجت جميعًا من مختبرٍ ذهني واحد؛ إذ تتشابه بنيتها المعرفية، وتتطابق شيفرتها الفكرية، وتعيد إنتاج الآليات ذاتها: احتكار الحقيقة، وتأليه الفهم البشري، وتجريم الاختلاف، ثم تحويل المخالف إلى عدوٍ تجب إزاحته.
وهكذا، تتغير الرايات، وتتبدل الشعارات، وتتباين الأسماء، بينما تبقى المأساة واحدة؛ لأن العقل الذي منح نفسه العصمة لا يستطيع أن يمنح غيره حق الوجود.
فالنازية لم تكتفِ بالتنظير للتفوق العرقي، بل ارتقت بتصورها للإنسان والتاريخ إلى مرتبة الحقيقة النهائية التي لا تقبل نقدًا ولا مراجعة، حتى غدا كل اعتراض عليها تمردًا على «قانون الطبيعة» كما توهمت.
وفي البنية الذهنية ذاتها، لم تقتصر التنظيمات المتأسلمة على ادعاء الذود عن العقيدة، بل رفعت تأويلها البشري والتاريخي للنص إلى منزلة القداسة، فاختزلت الدين في قراءتها الخاصة له، وجعلت الاختلاف معها خروجًا على الدين ذاته، لا على فهمها المحدود له.
وعلى الإيقاع المعرفي نفسه، تتحرك التيارات الصهيونية المتطرفة حين تحوّل قراءتها للتاريخ، والأرض، والهوية إلى يقينٍ مغلق يتجاوز حدود الاجتهاد الإنساني، فيغدو كل نقد اعتداءً على الحقيقة المزعومة، وكل مراجعة خيانة، وكل مخالف خصمًا ينبغي إقصاؤه.
وهكذا، تتبدل المرجعيات، وتختلف الشعارات، لكن البنية العقلية تبقى واحدة؛ إذ يبدأ الطريق بادعاء امتلاك الحقيقة، ولا ينتهي إلا بتبرير إلغاء الآخر.
إن الخطر الحقيقي لا يبدأ حين يختلف الناس حول الحقيقة، وإنما حين يتوقف أحدهم عن التمييز بين الحقيقة وفهمه للحقيقة. فالحقيقة، في معناها الفلسفي، مطلقة لا يحيط بها عقل منفرد، أما الفهم فهو فعل إنساني، تحكمه اللغة، والثقافة، والخبرة، وحدود الإدراك.
وحين ينسى الإنسان هذه الحقيقة البسيطة، يبدأ في تأليه عقله دون أن يشعر، ويمنح اجتهاده البشري صفات لا تليق إلا بالمطلق. ولذلك لم يكن التطرف في جوهره أزمة دين، ولا أزمة سياسة، ولا أزمة قومية، بل أزمة معرفة. إنه اللحظة التي يتحول فيها العقل من باحثٍ عن الحقيقة، إلى حارسٍ لفهمه الخاص لها. ومنذ تلك اللحظة، لا يعود الهدف اكتشاف الواقع، بل إخضاع الواقع للفهم المتطرف. ولا يصبح السؤال وسيلة للفهم، بل تهديدًا يجب إسكاته. ولا يعود الخطأ احتمالًا واردًا، بل يصبح مستحيلًا؛ لأن الاعتراف به يعني انهيار الصورة التي صنعها العقل المتطرف عن نفسه. وهكذا، لا تموت الحقيقة لأنها ضعيفة، بل لأنها تُدفن تحت يقينٍ بشريٍّ ادعى لنفسه العصمة.
حين يتوهم إنسان أنه يجلس على عرش الحقيقة
لعل أكثر المفارقات إثارة أن أول من حطم وهم العصمة الفكرية في تراثنا الإسلامي لم يكن خصمًا للدين، بل أحد أكبر علمائه. فأبو حامد الغزالي (1058 – 1111م)، لم يبدأ رحلته الفكرية في كتابه «المنقذ من الضلال» بإعلان امتلاك الحقيقة، وإنما بإعلان الشك في فهمه. لقد أدرك الغزالي أن الخطر لا يكمن في الجهل وحده، بل في اليقين الذي لم يمر بامتحان العقل.
ولذلك لم يهاجم المعرفة، وإنما هاجم التقليد؛ لأن الإنسان الذي يرث الأفكار دون أن يختبرها، لا يستطيع أن يميز بين الحقيقة وما يشبهها. وهنا تبدأ المسافة الفاصلة بين العالم والمتطرف. فالعالم يسأل: هل فهمي للنص صحيح؟ أما المتطرف فيسأل سؤالًا مختلفًا تمامًا: كيف أجعل النص يؤكد أنني على حق؟ إن الفرق بين السؤالين هو الفرق بين حضارة تتقدم، وأيديولوجيا تنغلق على نفسها.
ولذلك لم يكن التطرف المتأسلم في أخطر تجلياته قائمًا على قداسة النص، بل على قداسة التأويل؛ إذ لم تعد المشكلة في الوحي، وإنما في تحويل الفهم البشري للوحي إلى فهم معصوم، لا يجوز الاقتراب منه. ومن هنا لم يعد الخلاف اجتهادًا، بل صار كفرًا أو نفاقًا أو خيانة.
والآلية ذاتها ظهرت في تجارب تاريخية أخرى، وإن اختلفت المرجعيات. فالنازية لم تُقدِّس النصوص الدينية، لكنها قدَّست تفسيرها للإنسان والتاريخ. وما إن اعتُبر العرق الآري حقيقة نهائية غير قابلة للمراجعة، حتى أصبحت كل الوقائع مطالبة بالخضوع لهذا التصور، لا العكس. وكل من خالفه، صار في نظرها عدوًا للطبيعة نفسها.
وتتكرر البنية العقلية ذاتها في كل مشروع متطرف يجعل تفسيره للتاريخ أو الهوية أو الأرض بمنزلة الحقيقة النهائية، فيصبح الاعتراض على التأويل مساويًا للاعتداء على الدين ذاته. إن الأيديولوجيات لا تبدأ بالرصاص... بل تبدأ حين يجلس إنسان على عرش الحقيقة، ويمنح نفسه سلطة لا يملكها أحد. وحين يحدث ذلك، يتغير كل شيء.
فلا يعود الدليل وسيلة لتصحيح الفكرة، بل يصبح وسيلة لتبريرها. ولا يعود العقل أداة لاكتشاف الواقع، بل يتحول إلى محامٍ بارع، لا يبحث إلا عن الأدلة التي تبرئ موكله. وهنا تتحول المعرفة إلى دفاع دائم عن الذات، ويتحول التفكير إلى عملية انتقائية لا ترى من العالم إلا ما يؤكد القناعات السابقة. ولذلك فإن أخطر ما يصيب العقل ليس أن يجهل الحقيقة، بل أن يتوهم أنه لم يعد في حاجة إلى البحث عنها.
حين يُعيد الهوى كتابة الواقع
بعد قرنين تقريبًا من الغزالي، جاء عبد الرحمن بن خلدون (1332 – 1406م) ليكشف طبقة أخرى من طبقات الوهم. ففي مقدمته التاريخية لم يكن همه مجرد نقد الأخبار الضعيفة، بل تشريح العقل الذي يصنعها ويصدقها. ولذلك وضع إصبعه على واحد من أخطر أمراض المعرفة حين حذر من التشيعات والآراء والمذاهب؛ لأن الهوى، إذا سبق البرهان، لم يعد الإنسان يبحث عن الحقيقة، بل عما يؤكد ما يريد أن يصدقه.
وهنا يلتقي ابن خلدون مع الغزالي عند نقطة شديدة العمق. فالغزالي حذر من التقليد الذي يمنع العقل من اختبار ما ورثه، وابن خلدون حذر من التعصب الذي يمنع العقل من تصحيح ما آمن به. وفي الحالتين، تكون النتيجة واحدة: عقلٌ أغلق باب المراجعة، ثم أقنع نفسه أنه بلغ اليقين.
وهذه هي اللحظة التي يبدأ فيها الواقع في الانسحاب، لتحل محله صورة أخرى يصنعها الوهم. ولهذا لم تكن التنظيمات المتأسلمة، في ذروة عنفها، تقرأ الوقائع كما يقرأها غيرها؛ فكل خسارة تتحول إلى «ابتلاء»، وكل انشقاق إلى «تمحيص»، وكل فشل إلى «مؤامرة»، حتى يصبح من المستحيل أن تقود التجربة إلى مراجعة حقيقية.
والآلية نفسها عرفها التاريخ في ألمانيا النازية؛ فحين بدأت الوقائع الاقتصادية والعسكرية تكذب التصورات التي بنتها القيادة عن نفسها، لم تُراجع الفكرة، بل جرى اتهام العالم كله بالتآمر عليها، وتحولت الهزائم إلى وقودٍ لمزيد من التشدد، لا إلى سببٍ للتصحيح.
ويتكرر النمط ذاته كلما تعامل تيار قومي أو ديني متطرف - كالصهيونية - مع أي نقد باعتباره عداءً للهوية ذاتها، لا مراجعةً لتفسير بشري قابل للصواب والخطأ. عندئذٍ لا يعود الخصم من يناقش الفكرة، بل كل من يرفض الخضوع للرواية الوحيدة.
إن التعصب لا يبدأ بكراهية الآخر، بل يبدأ بحب الفكرة إلى الحد الذي يعجز فيه الإنسان عن رؤية عيوبها. ومن هنا يصبح الهوى شريكًا للعصمة الفكرية. فالعصمة تقول للعقل: أنت لا تخطئ. والهوى يقول له: وإن أخطأت، فسأجد لك تفسيرًا يحول الخطأ إلى انتصار.
وهكذا تدخل الأيديولوجيا في دائرة مغلقة لا تعرف التصحيح الذاتي. فالوقائع لا تعود قادرة على تغيير القناعة، بل تتحول القناعة إلى آلة تعيد تفسير الوقائع بلا نهاية. وهنا لا يموت العقل لأنه فقد الذكاء، بل لأنه فقد الفضيلة التي يقوم عليها كل علم وكل حضارة، فضيلة الاعتراف بإمكانية الخطأ.
المعرفة الشخصية
بعد ستة قرون من ابن خلدون، أعاد الفيلسوف البريطاني مايكل بولاني (Michael Polanyi 1891 - 1976) طرح السؤال ذاته، ولكن بلغة الفلسفة الحديثة. في كتابه «المعرفة الشخصية» (Personal Knowledge: Towards a Post-Critical Philosophy) لم يكن "بولاني" يقلل من قيمة العقل، بل كان يحرره من غروره. فقد رأى أن كل معرفة إنسانية تحمل أثر صاحبها؛ خبرته، ولغته، وثقافته، وحدود إدراكه. ولذلك، فإن ادعاء الوصول إلى تفسير بشري نهائي ليس علامة على اكتمال المعرفة، بل على توقفها.
إن الفكرة التي يقدمها "بولاني" تهدم الأساس النفسي للعصمة الفكرية. فالإنسان لا ينظر إلى العالم من خارج ذاته، بل يراه من نافذة تجربته. وكل نافذة، مهما اتسعت، تبقى نافذة، لا السماء كلها.
وهنا ينهار الوهم الذي قامت عليه كل الأيديولوجيات المغلقة. فالنازية لم تسقط لأنها افتقرت إلى المنظرين، بل لأنها اعتقدت أن تفسيرها للإنسان هو التفسير الأخير. والتنظيمات المتأسلمة لم تنغلق لأنها تفتقر إلى النصوص، بل لأنها تعاملت مع قراءتها للنص باعتبارها القراءة الوحيدة الممكنة، وأنهم أصحاب الفهم الصحيح الشامل!!
وكل مشروع متطرف، دينيًا كان أو قوميًا، يبدأ من اللحظة التي يتحول فيها الرأي إلى عقيدة، والعقيدة إلى يقين، واليقين إلى سلطة تمنع أي مراجعة. ولذلك فإن أكثر ما تخشاه الأيديولوجيات المغلقة ليس السلاح، بل الفكرة الجديدة. ولهذا لم يكن الاستبداد الفكري في يوم من الأيام نتيجة للقوة، بل نتيجة للخوف. الخوف من السؤال. الخوف من المقارنة. الخوف من أن يكتشف الإنسان أن ما دافع عنه سنوات طويلة، لم يكن الحقيقة، بل مجرد محاولة لفهمها.
ومن هنا تتجلى المفارقة التي يغفل عنها المتطرف دائمًا. فكلما اتسعت معرفة الإنسان، ازداد تواضعًا أمام الحقيقة. أما حين يضيق أفقه، فإنه يتضخم في عيني نفسه، حتى يظن أن الكون كله لا يتسع إلا لفكرته.
الاستبصار
يذهب الفيلسوف الكندي برنارد لونيرجان (Bernard Lonergan 1904 - 1984)، في كتابه «الاستبصار: دراسة في الفهم الإنساني» (Insight: A Study of Human Understanding) إلى أن العقل لا يرتقي لأنه يمتلك الإجابات، وإنما لأنه يمتلك الشجاعة الكافية لمراجعة الإجابات.
فالاستبصار، في جوهره، ليس لحظة الوصول إلى اليقين، بل لحظة اكتشاف أن اليقين نفسه يحتاج إلى يقظة دائمة. وهنا تنكشف المأساة الكاملة لوهم العصمة الفكرية، فالمتطرف لا يقتل السؤال لأنه يملك جوابًا أفضل، بل لأنه يخشى أن يقوده السؤال إلى مراجعة الجواب الذي يعيش عليه.
ولهذا لا يخاف من قوة خصومه بقدر ما يخاف من قوة الشك. إنه يدرك -ولو على مستوى اللاوعي- أن أول سؤال صادق قد يفتح شقًا صغيرًا في جدار اليقين الزائف، وما إن يظهر هذا الشق حتى تبدأ المنظومة كلها في الاهتزاز.
ولهذا السبب، تتشابه التنظيمات المتأسلمة، والأنظمة الشمولية، والصهيونية، في موقفها من النقد. فالمشكلة ليست في مضمون النقد، بل في وجوده ذاته. إن مجرد الاعتراف بحق الآخر في مساءلة الفكرة، يعني الاعتراف بأن الفكرة ليست معصومة، وهذا هو ما لا تستطيع الأيديولوجيات المغلقة احتماله.
إن الحضارة تبدأ بالسؤال... أما الأيديولوجيا فتبدأ بالإجابة. الحضارة تعتبر الحقيقة أفقًا يقترب منه الإنسان ولا يحتكره. أما التطرف، فيعتبر الحقيقة غنيمة استولى عليها، ثم نصب نفسه حارسًا عليها.
ولهذا لم يكن الغزالي يدافع عن الشك من أجل الشك، ولم يكن ابن خلدون يحارب التعصب من أجل الجدل، ولم يكن بولاني يدعو إلى التواضع المعرفي من باب الزهد الفكري، ولم يكن لونيرجان يجعل مراجعة العقل غاية في ذاتها.
لقد كانوا جميعًا -على اختلاف عصورهم ومرجعياتهم- يوجهون التحذير نفسه: "إن الإنسان لا يضل حين يجهل الحقيقة... بل حين يتوهم أن فهمه لها أصبح معصومًا".