عاجل

هزت جريمة مقتل أسرة كاملة في منطقة التجمع الخامس مشاعر المصريين جميعًا، لما حملته من بشاعة وألم، خاصة أن الضحايا أسرة واحدة، وأن الجريمة أودت بحياة الأب والأم وابنتيهما، لكن المأساة لم تتوقف عند بشاعة الجريمة نفسها، فقد شهدت الساعات الأولى تداول روايات وتكهنات على منصات التواصل الاجتماعي، ذهب بعضها إلى اتهام مسلمين بقتل الأسرة المسيحية، قبل أن تتضح لاحقًا أمام الرأي العام رواية أخرى أعلنتها الجهات الأمنية، وأصبحت القضية محل تحقيق قضائي.

هنا تبرز قصة أكبر من تفاصيل الجريمة ذاتها: كيف نحافظ على وحدة الوطن في زمن تُنشر فيه المعلومة قبل أن تكتمل الحقيقة؟ فلم تعد تلك الشائعات التي تناقلها الناس عن الحادثة مجرد أخبار يرددونها، وإنما أصبحت أداة قادرة على التأثير في الرأي العام، وإثارة الخوف والقلق، وزعزعة الثقة، وإشعال الخلافات داخل المجتمع. ومع الانتشار الهائل لوسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت الشائعة والأخبار الزائفة قادرة على الانتقال من هاتف إلى آخر، ومن مدينة إلى أخرى، في دقائق معدودة، قبل أن تتاح فرصة التحقق من حقيقتها.

ولابد أن نعي أن الجريمة، مهما بلغت بشاعتها، تظل جريمة يتحمل مسؤوليتها مرتكبها، ولا يجوز بحال من الأحوال أن تتحول هوية الضحية الدينية إلى اتهام لجماعة دينية بأكملها. فإذا كان المجني عليه مسيحيًا، فهذه جريمة ضد مواطن مصري، وإذا كان الجاني مسلمًا، متى ثبت ذلك بحكم القضاء، فهو مجرم يتحمل وحده مسؤولية جريمته، ولا يجوز بحال أن يحمل الإسلام والمسلمين مسؤولية فعل فرد. وهذه قاعدة أخلاقية ووطنية في غاية الأهمية: لا دين يُدان بجريمة فرد، ولا طائفة تُحاسب على فعل شخص، ولا وطن يُختزل في جريمة ارتكبها مجرم. والإسلام نفسه قرر مبدأ المسؤولية: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾ [الأنعام: 164].

كما أن حرمة الدماء أصل عظيم في الشريعة الإسلامية، قال تعالى: ﴿مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].

والأمر اللافت للنظر والاعتبار أن أعداء الوطن لم تتوقف مكائدهم في إحداث الفتن بين عنصري الأمة، رغم أنهم يدركون أن هذا الأمر في مصر، وعبر التاريخ الطويل، كان عصيًا على كل المحاولات.

فالوحدة الوطنية في مصر ليست عبارة تقال في المناسبات، وإنما هي موقف عملي يظهر بوضوح في أوقات الأزمات. وعندما تقع جريمة ضد أسرة مسيحية، فإن واجب المسلم أن يتعامل معها باعتبارها جريمة ضد إنسان مصري بريء، وأن يرفض الظلم والقتل، أيًا كان مرتكبيه. وعندما يتعرض مسلم لجريمة، فإن واجب أخيه في الوطن المسيحي أن يقف إلى جواره بالقدر نفسه. هذه هي المواطنة الحقيقية، وهذا هو المعنى العميق لقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ [المائدة: 2].

لقد عاش المسلمون والمسيحيون في مصر، وما زالوا، قرونًا طويلة، وتشابكت بينهم علاقات الجيرة والعمل والصداقة والمصاهرة والمشاركة في الأفراح والأحزان، وأصبح النسيج الوطني المصري حقيقة اجتماعية وتاريخية لا تستطيع شائعة عابرة أن تهدمها.

ولهذا فإن الواجب في مثل هذه الأحداث أن نكون أكثر حرصًا على لغة الخطاب، وأن نبتعد عن التعميم، وأن نرفض كل خطاب يحاول تحويل الجريمة إلى صراع ديني، فالمجرم يجب أن يُحاسب بالقانون، والضحية يجب أن تُصان كرامتها، والحقيقة يجب أن تظهر من خلال التحقيقات والأدلة والقضاء، أما المجتمع فيجب أن يحافظ على تماسكه.

وأراني في هذا الصدد أذكر القارئ العزيز بما جاء في وثيقة الأخوة الإنسانية التي وقعها فضيلة الإمام الأكبر أ.د. أحمد الطيب، وقداسة البابا فرنسيس، بابا الكنيسة الكاثوليكية، في نوفمبر 2019، والتي وصفها الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بأنها أعظم وثيقة العصر الحديث. هذه الوثيقة التي دعت كل دول العالم إلى تبني ثقافة الحوار دربًا، والتعاون المشترك سبيلًا، والتعارف المتبادل نهجًا وطريقًا، وطالبت كل قادة العالم بالعمل جديًا على نشر ثقافة التسامح والتعايش والسلام، والتدخل فورًا لإيقاف سيل الدماء البريئة ووقف كل الحروب والصراعات، كما حثت المفكرين والفلاسفة ورجال الدين والفنانين والإعلاميين في كل مكان ليعيدوا اكتشاف قيم السلام والعدل والخير والجمال والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وليؤكدوا أهميتها كطوق نجاة للجميع، مؤكدة أن الأديان لم تكن أبدًا بريدًا للحروب أو باعثة لمشاعر الكراهية والعداء والتعصب، بل إنها تدعو إلى التمسك بقيم السلام، وإعلاء قيم التعارف المتبادل والأخوة الإنسانية والعيش المشترك، وتكريس الحكمة والعدل والإحسان، وأن الحوار يعني التلاقي في المساحة الهائلة من القيم الروحية والإنسانية والاجتماعية المشتركة، كما أكدت أن مفهوم المواطنة يقوم على المساواة في الواجبات والحقوق التي ينعم في ظلالها الجميع بالعدل، لذا يجب ترسيخ مفهوم المواطنة الكاملة في مجتمعاتنا، والتخلي عن الاستخدام الإقصائي لمصطلح الأقليات الذي يحمل في طياته الإحساس بالعزلة والدونية، ويمهد لبذور الفتن والشقاق.

لذا رددت أكثر من مرة في لقاءات تليفزيونية أن مفهوم شركاء الوطن بالنسبة للإخوة المسيحيين مفهوم قاصر لا يعبر عن الحقيقة، فالشريك قد يكون له النصف أو الربع أو أكثر أو أقل من ذلك، ولكن الحقيقة أنهم يملكون الوطن كما نملكه نحن المسلمين، فكل ذرة من أرض الوطن الحبيب هي ملك لي ولأخي المسيحي. فالدماء التي سالت على أرض مصر في حروبها عبر العصور المختلفة امتزج فيها الدم المسلم بالدم المسيحي، فكل الوطن ملك لنا جميعًا، ومصيرنا واحد، يجمعنا الحب والتعاون، ولن تستطيع مؤامرات الأعداء أن تفرقنا أبدًا.

وأن الرد الحقيقي على كل محاولة لإثارة الفتنة هو أن يثبت المصريون أن دماءهم وكرامتهم وأمنهم مصونة، وأن القانون فوق الجميع، وأن الجريمة يحاسب عليها مرتكبها، لا دينه ولا طائفته ولا جماعته.

إننا أمام درس بالغ الأهمية: قد يقتل مجرم أسرة، ولكن لا ينبغي أن تسمح للشائعة بأن تقتل الثقة بين أبناء وطن بأكمله.

فلنحافظ على وحدتنا الوطنية، ولنجعل من هذه الحادثة مناسبة لتجديد عهدنا بأن مصر وطن لكل أبنائها، وأن المسلم والمسيحي يملكون هذا الوطن والتاريخ والمصير.

ولعلني أذكر مقولة للراحل الأنبا شنودة: «إن مصر ليست وطنًا نعيش فيه فقط، بل وطن يعيش فينا.»

تم نسخ الرابط