عاجل

منذ صباح السبت 28 فبراير 2026، دخلت منطقة الشرق الأوسط في واحدة من أخطر جولات التصعيد العسكري منذ غزو العراق عام 2003، حين شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل ضربات جوية واسعة على العمق الإيراني استهدفت طهران ومواقع عسكرية وأمنية حساسة، في عملية أطلقت عليها إسرائيل اسم «زئير الأسد» وسمّتها واشنطن «الغضب الملحمي»، وقد جاء ذلك التصعيد بعد أشهر من التوتر المتصاعد إبان موجة الاحتجاجات الداخلية الإيرانية في 2025-2026، وتلويح الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بالتدخل العسكري في حال استمرار قمع المتظاهرين، قبل أن يتحول المسار كليةً نحو المواجهة المباشرة.

لم تبق تداعيات هذه الحرب حبيسة الأراضي الإيرانية أو الإسرائيلية، بل امتدت لتشمل لبنان وسوريا والأردن، ولتطال بشكل مباشر دول الخليج العربي التي وجدت بنيتها التحتية ومجالها الجوي والبحري في قلب رقعة الاشتباك، دون أن تكون طرفاً في قرار الحرب أو في إدارتها.

في هذا المقال نسعى إلى تفكيك مسار الأزمة، وقراءة حسابات الأطراف الرئيسية، وتحليل انعكاساتها على الأمن القومي العربي، واستعراض السيناريوهات المحتملة لمآلاتها.

أولاً: من الاحتجاجات الداخلية الى الحرب المفتوحة

تعود جذور التصعيد إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية الداخلية في إيران أواخر عام 2025، وما تبعها من احتجاجات شعبية واسعة قوبلت بحملة قمع أمني وسّعت الشرخ بين النظام وقطاعات من الشارع الإيراني، في الثالث عشر من يناير 2026 حذّر مسؤولون إيرانيون من أنهم «مستعدون للحرب» رداً على تهديدات أمريكية بعمل عسكري، بينما بدأت واشنطن في نفس الوقت حشد أصول عسكرية جوية وبحرية غير مسبوقة في المنطقة منذ عام 2003.

  • في 3 فبراير 2026: محاولة زوارق تابعة للحرس الثوري توقيف ناقلة أمريكية في مضيق هرمز، وإسقاط طائرة مسيّرة إيرانية بالقرب من حاملة الطائرات الأمريكية أبراهام لينكولن.
  • في 28 فبراير 2026: بدء الضربات الأمريكية الإسرائيلية الواسعة على طهران ومواقع عسكرية إيرانية، ورد إيراني بصواريخ تجاه إسرائيل وسوريا والأردن ودول خليجية عدة.
  • مطلع مارس 2026: إعلان إيراني رسمي بوفاة المرشد الأعلى علي خامنئي، وإعلان حداد رسمي لأربعين يوماً.
  • أبريل 2026: مسار تفاوضي في إسلام آباد يفضي إلى ما تصفه طهران بخطة النقاط العشر، شاملة التزاماً أمريكياً بعدم العدوان مقابل استمرار النفوذ الإيراني على مضيق هرمز بشكل مقيّد.
  • 17  يونيو 2026: توقيع مذكرة تفاهم لإنهاء الأعمال العدائية بين واشنطن وطهران برعاية عمانية-باكستانية.
  • منتصف يوليو 2026 وحتى اليوم: انهيار جزئي للتفاهمات، واستئناف الضربات الأمريكية وإعادة فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية، مع توسّع الاستهداف الإيراني لمنشآت مدنية في دول خليجية.

الثابت الوحيد في مسار هذه الأزمة هو تقطّع كل تفاهم يتم التوصل إليه بعد أسابيع قليلة، بما يجعل حالة «اللا حرب واللا سلم» هي السمة الأقرب لوصف واقع المنطقة الراهن.

ثانياً: قراءة في مصالح ودوافع الفاعلين الرئيسيين

تتقاطع في هذه الحرب حسابات معقدة لكل طرف من أطرافها الثلاثة، وهي حسابات يختلف المحللون في تفسير مدى تعمّدها أو ترابطها، لكنها تشترك في نتيجة واحدة: تحمّل دول المنطقة العربية، وبخاصة الخليجية، الكلفة الأكبر لصراع لم تُستشر في قراره.

١. الولايات المتحدة: بين الردع وإعادة تفعيل الصناعة العسكرية

يربط عدد من المحللين بين تجدد الشهية الأمريكية للتصعيد العسكري وبين حسابات اقتصادية داخلية مرتبطة بقطاع الصناعات الدفاعية، الذي شهد منذ عام 2003 نمواً كبيراً في الإنتاج ثم تراجعاً نسبياً في وتيرة الاستهلاك الفعلي للتسليح مع غياب حروب مباشرة واسعة النطاق، في المقابل، تصرّ الرواية الرسمية الأمريكية على تأطير الحرب في سياق الردع الاستراتيجي لمنع إيران من تطوير برنامج نووي عسكري، وحماية الحلفاء الإقليميين، خاصة إسرائيل ودول الخليج، وبين الروايتين، تبقى مسألة تحميل دول الخليج جانباً من كلفة العمليات العسكرية والتسليح، والتلويح برسوم على الملاحة في مضيق هرمز قبل التراجع عنها لصالح اتفاقات تجارية واستثمارية مع دول الخليج، من المؤشرات التي يستشهد بها من يرى بعداً اقتصادياً واضحاً في حسابات واشنطن.

٢. إسرائيل: تثبيت التفوق الإقليمي وإعادة رسم خريطة النفوذ

تندرج الحرب على إيران، من منظور إسرائيلي، في سياق أوسع يشمل ملفات لبنان وسوريا وغزة، وسعي تل أبيب لتوظيف حالة الانشغال الدولي بالملف الإيراني لتثبيت مكاسب ميدانية وسياسية في الساحات الأخرى، وتشير تقديرات متعددة إلى أن الخسائر البشرية والمادية التي تكبّدتها إسرائيل خلال هذه الجولة، على الرغم من حجم الضربات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية المتبادلة، جاءت أقل بكثير مما عكسته التغطية الإعلامية لشدة القتال، وهو ما يفسّر جزئياً نجاح الخطاب الإسرائيلي في حشد مزيد من التأييد العربي والخليجي لخيار التحالف الأمني مع تل أبيب في مواجهة ما يوصف بالخطر الإيراني.

٣. إيران: الصمود الداخلي والمقايضة الإقليمية

على الرغم من حجم الضربات التي تعرضت لها البنية العسكرية والاقتصادية الإيرانية، نجح النظام في طهران في تجاوز اللحظة الأخطر المتمثلة في وفاة المرشد الأعلى، وأدار عملية انتقال داخلي هادئ نسبياً، مستفيداً من حالة الاستقطاب ضد العدو الخارجي لتجاوز التصدعات الداخلية التي فجّرتها احتجاجات 2025-2026. وتمسّكت طهران في المسارات التفاوضية المتعاقبة بثلاثة مطالب جوهرية: استمرار نفوذها على مضيق هرمز، والاحتفاظ بحق تخصيب اليورانيوم، ورفع العقوبات، مقابل تقديم تنازلات تكتيكية في ملفات إقليمية أخرى، من أبرزها فتح جبهة مع السعودية عبر الحوثيين في اليمن، بما يوصف في بعض التحليلات بأنه استخدام لأطراف إقليمية كأداة تفاوضية غير مباشرة.

يرى فريق من المحللين أن التقاطع الظاهر بين مصالح الأطراف الثلاثة لا يعني بالضرورة وجود تنسيق مسبق بينها، بل قد يكون نتاجاً طبيعياً لمنطق الصراع نفسه؛ حيث تنتهي الحروب المفتوحة غالباً بإعادة توزيع للمكاسب بين قوى كبرى على حساب أطراف أضعف، دون الحاجة إلى افتراض تدبير خفي، وفي المقابل، يستشهد فريق آخر بحجم الفارق بين صورة الحرب في الخطاب الإعلامي وحصيلتها الفعلية على أرض الميدان، ليطرح تساؤلات حول مدى انضباط وتيرة التصعيد وتزامن مكاسب كل طرف، تبقى هذه قراءات تحليلية تفسيرية، لا وقائع مؤكدة بأدلة موثقة، وتستحق التداول بقدر من الحذر المنهجي.

ثالثاً: دول الخليج.. الطرف الغائب عن القرار والحاضر في الفاتورة

وجدت دول الخليج العربي نفسها في قلب دائرة الاستهداف دون أن تكون شريكاً في صناعة القرار العسكري لأي من طرفي الحرب، فبينما استهدفت الضربات الأمريكية محطات السكك الحديدية ومحطات الكهرباء والاتصالات ومياه الشرب داخل إيران، ردّ الحرس الثوري الإيراني باستهداف مطارات مدنية ومحطات مياه وكهرباء في الكويت والبحرين، في رسالة ردع مزدوجة تتجنب الاصطدام المباشر بالقطع البحرية الأمريكية أو بإسرائيل، وتوجّه الضغط بدلاً من ذلك نحو الحلقة الأضعف في المعادلة الإقليمية.

ويشكّل مضيق هرمز محور الأزمة الاقتصادية الأخطر بالنسبة للخليج، حيث تكرر التلويح الإيراني بفرض قيود أو رسوم على الملاحة عبره، فيما طرحت أطراف إقليمية عدة، من بينها سلطنة عمان ومقترح تركي-مصري-سعودي، صيغاً لإدارة مشتركة للمضيق على غرار تجربة قناة السويس، دون أن تصل هذه المبادرات حتى الآن إلى تفاهم نهائي وسط تصلّب إيراني في هذا الملف بالتحديد.

رابعاً: اليمن.. جبهة إضافية لإعادة توزيع الضغط

توسّع نطاق الحرب المرتبط بإيران خلال الأشهر الأخيرة ليشمل ساحل البحر الأحمر، حيث كثّف الحوثيون في اليمن، المدعومون من طهران، هجماتهم على السفن التجارية، بما يهدد بتحويل ثاني أهم ممر ملاحي عالمي إلى جبهة مواجهة إضافية، ويحمل في الوقت ذاته مخاطر جدية بتجدد الحرب الأهلية اليمنية بعد سنوات من الهدوء النسبي. ويربط عدد من المتابعين بين تحريك هذا الملف وبين محاولة إيرانية لخلق أوراق ضغط تفاوضية إضافية في مواجهة التحالف العربي الإقليمي الناشئ، دون أن يعني ذلك تجاهل الدينامية الداخلية اليمنية المستقلة وتعقيداتها الخاصة.

خامساً: تحالف مصري سعودي تركي.. ملامح توازن إقليمي جديد

في مقابل حالة الانكشاف الأمني الخليجي، تسارعت وتيرة التنسيق السياسي والأمني بين مصر والسعودية وتركيا، بانضمام باكستاني متزايد الحضور، عبر لقاءات قمة ووزارية متعددة منذ فبراير 2026، تناولت ملفات غزة ولبنان والتوتر الأمريكي الإيراني وأزمات السودان وسوريا وليبيا واليمن والصومال. ويجمع هذا التقارب بين قوة عسكرية مصرية، وعضوية تركية في حلف الناتو، وقدرة اقتصادية وتسليحية سعودية، ومظلة ردع نووي باكستانية، وهو ما يمنح المحور الرباعي، إذا ترسّخ، وزناً استراتيجياً يسمح بمقاربة عربية إسلامية أكثر استقلالية لأزمات المنطقة، بما فيها ملف مضيق هرمز الذي طُرحت بشأنه مقترحات لتشكيل تحالف ثلاثي لإدارة حركة الملاحة والمنتجات النفطية بصيغة تشبه تجربة قناة السويس.

مع ذلك، يحذّر باحثون مختصون من أن هذا التحالف لا يزال في طور التشكّل، وأن تباين أولويات كل دولة تجاه ملفات المنطقة يفرض تحدياً حقيقياً أمام تحوّله إلى إطار عملياتي متماسك قادر على التأثير الفعلي في مسار الأزمة الإيرانية أو حماية الأمن الخليجي بشكل مباشر.

سادساً: السيناريوهات المحتملة لمآلات الأزمة

  • سيناريو التهدئة الجزئية المتكررة: استمرار دورة تصعيد وتفاوض متعاقبة دون حسم، على غرار ما جرى بين فبراير ويوليو 2026، مع بقاء دول الخليج عرضة لتبعات كل جولة.
  • سيناريو التصعيد الموسّع: امتداد المواجهة إلى البحر الأحمر وربما بحر قزوين، عبر تفعيل أذرع إقليمية لإيران، بما يرفع كلفة الملاحة والطاقة عالمياً.
  • سيناريو التفاهم الإقليمي المدار: نجاح مقترحات الوساطة العمانية والتحالف المصري السعودي التركي في التوصل إلى صيغة لإدارة مضيق هرمز وتثبيت هدنة أكثر استقراراً.
  • سيناريو إعادة التموضع العربي: تسريع تشكّل تحالف إقليمي مستقل نسبياً يمنح دول المنطقة هامش مبادرة أكبر في الملفات التي تمسّ أمنها المباشر.

الأمن العربي بين كلفة الحرب وفرصة التموضع

تكشف تطورات هذه الأزمة أن الأمن القومي العربي، وبخاصة الخليجي، أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بمسار صراع تُصنع قراراته الكبرى خارج المنطقة، فيما تتحمل دولها كلفته الأمنية والاقتصادية والسياسية. وفي المقابل، تفتح حالة السيولة الراهنة نافذة نادرة لإعادة تعريف موقع الدول العربية الفاعلة كمصر والسعودية، ليس بوصفها ساحة لتصفية حسابات الكبار، بل كطرف قادر على المبادرة وصياغة تفاهمات إقليمية توازن بين ضرورات الأمن ومقتضيات الاستقلالية الاستراتيجية. ويبقى نجاح هذا المسار مرهوناً بقدرة التحالفات العربية والإسلامية الناشئة على تجاوز تباين الأولويات الوطنية، وترجمة التقارب السياسي إلى آليات عمل مشتركة وفعّالة على الأرض.

تم نسخ الرابط