"موقع 99" السري.. تحركات سورية للتخلص من إرث الأسد النووي
أعلنت هيئة الطاقة الذرية السورية، يوم الثلاثاء، استمرار تعاون دمشق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة وعدد من الدول، لمعالجة إرث النظام السابق، بالتزامن مع استعدادها لاستقبال وفد من الوكالة خلال الأيام المقبلة لبحث ملف مواد نووية مخزنة في موقع سري داخل البلاد.
تعاون سوري مع الوكالة الذرية
وقالت الهيئة، في بيان، إنها تواصل تعاونها الشفاف والوثيق مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، إلى جانب الولايات المتحدة ودول أخرى، بهدف معالجة الملفات المرتبطة بالبرنامج النووي السابق وتفعيل عضوية سوريا الكاملة في الوكالة، فضلًا عن دعم الاستخدامات السلمية للطاقة النووية في مجالات الصحة والغذاء والبحث العلمي.
وأكدت الهيئة أنها أحرزت منذ سقوط نظام الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024، تقدمًا في هذا الملف بالاعتماد على إمكاناتها الوطنية، رغم محدودية قدراتها التقنية وعدم حصولها على الدعم الدولي الكافي حتى الآن.

ودعت دمشق إلى تشكيل لجنة دولية متخصصة لتقديم الدعم الفني والقانوني اللازم، بما يضمن استكمال الإجراءات المتعلقة بالملف وفق المعايير الدولية.
وأشارت الهيئة إلى أنها ستستقبل خلال الأيام المقبلة وفدًا من الوكالة الدولية للطاقة الذرية، على أن يصدر إعلان مشترك بشأن التقدم الكبير الذي أحرزته سوريا في هذا المجال.
موقع نووي سري يثير القلق
يأتي الإعلان السوري بعد تقرير نشره موقع “أكسيوس”، نقل فيه عن مسؤولين إسرائيليين وأمريكيين أن إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توصلت إلى تفاهمات مع الحكومة السورية والوكالة الدولية للطاقة الذرية بشأن إخراج مواد نووية مخزنة في موقع سري داخل سوريا.
ووفقًا للتقرير، عملت واشنطن والوكالة خلال الأشهر الماضية على التوصل إلى اتفاق دبلوماسي يهدف إلى تأمين المواد وإزالتها، تفاديًا لتصعيد محتمل بين إسرائيل وسوريا، وربما تركيا.
وظل الملف طي الكتمان لأشهر، وسط تبادل للتهديدات ومساعي دبلوماسية خلف الكواليس، قبل التوصل إلى تسوية خلال الأسابيع الماضية.

ويرتبط الموقع ببرنامج نووي سري طوره نظام بشار الأسد السابق، وتمحور حول مفاعل “الكبر” الذي دمرته إسرائيل في غارة عام 2007، وعلى الرغم من تدمير معظم المنشآت المرتبطة بالبرنامج، بقيت مواقع أخرى للبحث والتطوير والتخزين.
وبعد سقوط نظام الأسد، أبرمت الوكالة الدولية للطاقة الذرية اتفاقًا مع الحكومة السورية الجديدة يسمح لها بزيارة مفاعل “الكِبر” ومواقع أخرى مرتبطة بالنشاط النووي السابق.
«الموقع 99» ومواد «الكعكة الصفراء»
ووفقًا لأكسيوس، يتركز الاهتمام الإسرائيلي على منشأة تعرف باسم «الموقع 99»، يعتقد أن نظام الأسد خزن فيها مواد مرتبطة بمشروع مفاعل «الكِبر».
ونقل الموقع عن مسؤول أمريكي أن المواد الموجودة في الموقع تشمل “الكعكة الصفراء”، وهي مسحوق ناتج عن معالجة خام اليورانيوم ويمكن استخدامه لاحقًا في مراحل من دورة الوقود النووي، إلى جانب بقايا ومخلفات مرتبطة بموقع «الكِبر».
وأكد المسؤول أن هذه المواد لا يمكن استخدامها مباشرة لصناعة سلاح نووي، لكنها قد تستغل في تصنيع ما يعرف بـ"القنبلة القذرة"، وهي وسيلة تقليدية لنشر مواد مشعة بهدف تلويث منطقة معينة، دون إحداث انفجار نووي.
وقال مسؤولون إسرائيليون إن الجيش الإسرائيلي قصف مداخل الموقع بعد وقت قصير من سقوط نظام الأسد، لمنع الوصول إلى المواد الموجودة داخله.
إسرائيل هددت بقصف الموقع
ووفقًا للتقرير، ناقشت إسرائيل والولايات المتحدة على مدى أكثر من عام سبل التعامل مع «الموقع 99»، بمشاركة مسؤولين من مجلس الأمن القومي الأمريكي ومكتب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو.

وأبلغت إسرائيل إدارة ترامب بأنها لن تقبل ببقاء المواد النووية في الموقع، فيما هدد مسؤولون إسرائيليون بقصفه مجددًا إذا لم تتم إزالة المواد أو ظهرت مؤشرات على محاولة السلطات السورية الوصول إليها.
إلا أن مسؤولًا أمريكيًا قال إن إسرائيل، رغم مخاوفها، لم تكن في أي وقت على وشك تنفيذ ضربة جديدة على الموقع.
وفي نهاية المطاف، اتفقت واشنطن وتل أبيب على أن الحل الأفضل يتمثل في الحصول على موافقة الحكومة السورية الجديدة على إزالة المواد، بدلًا من اللجوء إلى الخيار العسكري.
تحركات سورية أثارت مخاوف إسرائيل
و رصدت جهات إسرائيلية تراقب الموقع قبل أسابيع تحركات في المنطقة أثارت مخاوف من أن الحكومة السورية الجديدة ربما تحاول الوصول إلى المواد الموجودة فيه أو تتراجع عن التفاهمات السابقة.
وأثارت هذه التحركات مخاوف إسرائيلية بشأن احتمال حصول دمشق على مساعدة تركية للوصول إلى المواد، إلا أن إدارة ترامب طلبت من إسرائيل عدم اتخاذ أي إجراء عسكري، وأدخلت الوكالة الدولية للطاقة الذرية في مسار معالجة القضية.
وأسفرت الاتصالات عن اتفاق وقعته الوكالة والحكومة السورية قبل نحو 3 أسابيع، يقضي بإزالة المواد النووية من الموقع.
بدء عملية الإزالة قبل نهاية العام
ورغم توقيع الاتفاق، لم تبدأ عملية إخراج المواد من “الموقع 99” بشكل فعلي حتى الآن.
وأكد مسؤولون أمريكيون أن الترتيبات لا تزال جارية، مع توقع بدء عملية الإزالة قريبًا والانتهاء منها قبل نهاية العام.
ويأتي هذا التطور في إطار مساعي الحكومة السورية الجديدة لمعالجة الملفات الحساسة التي خلفها النظام السابق، وفي مقدمتها البرامج النووية والكيميائية، بالتعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية وبدعم من الولايات المتحدة ودول أخرى.



