عاجل

لا يختلف اثنان على أن الإصلاح الاقتصادي أصبح ضرورة فرضتها التحديات العالمية والإقليمية، وأن أي دولة تسعى إلى تحقيق التنمية المستدامة لا يمكنها تجاهل معالجة الاختلالات المالية والاقتصادية. لكن يبقى السؤال الأكثر أهمية: من يتحمل تكلفة هذا الإصلاح؟ وهل استطاعت الطبقة المتوسطة، التي تُعد العمود الفقري لأي مجتمع، أن تصمد أمام موجات التضخم وارتفاع الأسعار وتراجع القوة الشرائية؟

لقد شهدت السنوات الأخيرة تنفيذ حزمة واسعة من إجراءات الإصلاح الاقتصادي، شملت تحرير سعر الصرف، وإعادة هيكلة منظومة الدعم، وتوسيع القاعدة الضريبية، وتشجيع الاستثمار إلى جانب تنفيذ مشروعات قومية ضخمة تستهدف تعزيز البنية التحتية وتحفيز النمو. وقد أسهمت هذه السياسات في تحسين عدد من المؤشرات الاقتصادية وجذب استثمارات جديدة وتعزيز قدرة الاقتصاد على مواجهة الأزمات العالمية.

غير أن الوجه الآخر للإصلاح كان أكثر قسوة على المواطن، وخاصة أبناء الطبقة المتوسطة. فهذه الفئة لا تستفيد من برامج الدعم المباشر الموجهة إلى الفئات الأكثر احتياجًا، وفي الوقت نفسه لا تمتلك الإمكانات المالية التي تمكنها من مواجهة الارتفاع المتواصل في تكاليف المعيشة. وهكذا وجدت نفسها تتحمل العبء الأكبر بين طرفين
فلا هي ضمن الفئات الأكثر ثراءً، ولا هي مشمولة بالحماية الاجتماعية الكافية.

ولعل أخطر ما يهدد الطبقة المتوسطة اليوم هو التآكل المستمر لدخولها الحقيقية نتيجة الفجوة المتزايدة بين معدلات زيادة الأجور وارتفاع الأسعار. ومع كل موجة تضخم تتراجع القدرة على الادخار وتتقلص فرص الاستثمار في تعليم الأبناء أو تحسين مستوى المعيشة، بل أصبحت أولويات الإنفاق تقتصر على الاحتياجات الأساسية وهو ما ينعكس سلبًا على النشاط الاقتصادي والاستهلاك المحلي.

إن الحفاظ على الطبقة المتوسطة ليس قضية اجتماعية فحسب بل هو ركيزة للاستقرار الاقتصادي والسياسي. فهذه الفئة تمثل القوة الشرائية الرئيسية، والمحرك الأساسي للإنتاج والخزان الحقيقي للكفاءات والخبرات كما أنها الأكثر إيمانًا بقيم العمل والاستقرار. وكلما تعرضت للضغط والتراجع انعكس ذلك على معدلات النمو والاستثمار، وعلى حالة الرضا المجتمعي بشكل عام.

ومن هنا، فإن نجاح الإصلاح الاقتصادي لا يقاس فقط بالأرقام والمؤشرات الكلية، وإنما بقدرته على تحسين جودة حياة المواطنين، والحفاظ على توازن المجتمع. وهذا يتطلب سياسات أكثر استهدافًا للطبقة المتوسطة، تشمل مراجعة منظومة الضرائب، وتقديم حوافز للإنتاج، ودعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتوفير تمويل ميسر للشباب، وربط الأجور بمعدلات التضخم، مع تعزيز الرقابة على الأسواق لمنع الممارسات الاحتكارية.

كما أن تشجيع الاستثمار في القطاعات الإنتاجية، وزيادة فرص العمل، ورفع كفاءة التعليم والتدريب، كلها أدوات تضمن أن تتحول نتائج الإصلاح إلى مكاسب يشعر بها المواطن في حياته اليومية، وليس مجرد أرقام في التقارير الاقتصادية.

في النهاية، لا أحد يختلف على أهمية الإصلاح الاقتصادي، لكنه لن يحقق أهدافه الكاملة إلا إذا تزامن مع إصلاح اجتماعي يضمن توزيعًا أكثر عدالة لأعباء التنمية. فنجاح الدول لا يُقاس فقط بحجم احتياطاتها أو معدلات نموها، بل بقدرتها على حماية الطبقة المتوسطة، لأنها صمام الأمان الحقيقي، والضامن لاستقرار المجتمع واستمرار مسيرة التنمية.

تم نسخ الرابط