مواجهة مع "الفك المفترس".. تجربة الغوص مع القرش الأبيض الكبير
يشكل السباحة وسط المحيط برفقة قرش ملاحق أحد أعتى الكوابيس في المنام، ولا سيما إن كان هذا المفترس هو "القرش الأبيض العظيم" الذي طالما جسدته السينما كرمز للرعب المطلق، ولكن في مكان واحد على وجه الأرض، يتتحول هذا الكابوس إلى مغامرة حقيقية؛ إنها قرية جانسباي في جنوب أفريقيا، حيث يمكنك السباحة وجهاً لوجه مع هذا الكائن الهائل.
تقع جانسباي، قرية الصيد الهادئة، عند أقدام جبال داينفونتين بين مدينتي هيرمانوس وبيرلي بيتش، وتصنف عالمياً كأفضل وجهة لمشاهدة أسماك القرش الأبيض العظيم.
وكشف موقع White Shark Projects، فإن رصد هذه الكائنات في المنطقة يعود إلى ما قبل 181 عاماً من ابتكار سياحة الغوص داخل الأقفاص، مما جعل القرية تُلقب بـ "عاصمة الغوص في أقفاص القرش في العالم".
سر وجود أسماك القرش

يرتبط السر التاريخي لاجتذاب القروش البيضاء إلى هذه المنطقة بـ "جزيرة الفقمة" في خليج فولس. ففي القرن السابع عشر وعلى مدى ثلاثة قرون، تعرضت الفقمات في الجزيرة لصيد جائر للاستفادة من جلودها وزيوتها ولحومها.
وكانت السفن الشراعية تعتمد نظاماً يُعرف بـ "نظام البكرات"؛ حيث تُربط جثث الفقمات المذبوحة بحبال طويلة وتُسحب عبر المياه المفتوحة نحو السفن. خلّفت هذه العملية أثراً كبيراً من الشحوم والزيوت المتسربة في الماء، مما أدى إلى جذب أعداد غفيرة من أسماك القرش الأبيض التي كانت تلتهم جثث الفقمات المسحوبة قبل وصولها إلى القوارب، وهو سلوك وُثق تاريخياً وأدى لاحقاً إلى تغيير طرق النقل.
من الرعب إلى السياحة البيئية
شهد عام 1991 تحولاً مفصلياً بعد تصنيف القرش الأبيض كنوع محمي في جنوب أفريقيا لحمايته من التهديدات المتزايدة التي أعقبت عرض فيلم "الفك المفترس" عام 1975، وبدءاً من منتصف التسعينيات، تحول الغوص داخل الأقفاص إلى نشاط سياحي رئيسي واقتصادي هام لجانسباي.
تطورت هذه الرياضة من مغامرة غير منظمة إلى صناعة سياحية واعية ومسؤولة غير استهلاكية، تجتذب العائلات والفرقاء الإعلاميين من كبرى القنوات العالمية مثل National Geographic وBBC وDiscovery.
كما أسهمت هذه السياحة في دعم الاقتصاد المحلي والتوسع نحو مشاهدة الحيتان، إلى جانب توفير منصة لدعم البحوث العلمية لحماية البيئة البحرية.

“ممر القرش”.. منطقة كمائن الفك المفترس
تكمن الجاذبية الرئيسية لأسماك القرش في وجود مستعمرة تضم نحو 60 ألف فقمة من فقمات الفراء على صخرة جيزر، التي تبعد 8 كيلومترات عن الشاطئ.
وتعرف القناة المائية التي تفصل بين صخرة جيزر وجزيرة داير (بعرض 150 متراً) بـ "ممر القرش"، وتتيح تضاريس هذا الممر للقرش الأبيض استخدام أسلوب "التظليل المعاكس" للكمائن؛ حيث يندمج ظهره الرمادي مع قاع المحيط الداكن، مما يجعل الفقمات التي تسبح على السطح عاجزة عن رؤيته قبل الهجوم.

ونعتبر أسماك القرش الأبيض كائنات رحالة ومستمرة التنقل، ولا توجد جمهرة ثابتة منها في جانسباي، بل تشهد المنطقة حركة ديناميكية متجددة على الدوام.
تجربة الغوص من داخل القفص
تتيح جولات الغوص في جانسباي رؤية القروش من زاويتين متمايزتين من سطح القارب، حيث توفر الإطلالة مشهداً واضحاً للقروش وهي تدور حول المراكب، وتسبح قرب السطح، وأحياناً تقفز بالكامل خارج الماء.

كما تعتبر أهم إطلالة من داخل القفص، على الرغم من أن المياه قد تكون عكرة أحياناً بمدى رؤية لا يتجاوز المتر، إلا أن التجربة تقدم إثارة حبس الأنفاس عند رؤية القرش على بعد بوصات قليلة فقط من الوجه.
قرش الحوت البرونزي

على الرغم من أن القرش الأبيض هو النجم الأساسي، إلا أن المياه تضم أنواعاً أخرى مميزة مثل قرش الحوت البرونزي، وهو النوع الأكثر سيادة حالياً، ويتراوح طوله بين 1.5 و3.5 متر.
وتتميز هذه الأسماك بالسرعة والفضول حول الأقفاص، وغالباً ما يُشاهد إناث كبيرة تحمل ندوب التزاوج، مما يشير إلى استخدام المنطقة كموئل للتكاثر.
القرش البقري ذو السبع خياشيم

يعرف بـ "الأحافير الحية"؛ حيث يعود نسبه لأكثر من 100 مليون سنة. يتميز بامتلاكه 7 شقوق خيشومية وبنية جسمانية أثقل وحركة أبطأ وأكثر تعمداً.
بينما يوجد قرش الماكو قصير الزعانف، وهو يشاهد بنسبة أقل، وتكثر فرص رصده خلال الأشهر الأكثر دفئاً.
تحديات بقاء القرش الأبيض العظيم
برغم الشهرة الواسعة لجانسباي كموقع لرؤية القرش الأبيض (خاصة بين إبريل وسبتمبر)، إلا أن مشاهدته لم تعد مضمونة دائماً بسبب تراجع أعداده.
وتعود هذه التغيرات إلى مجموعة من العوامل المشتركة هو افتراس الحيتان القاتلة (الأوركا) مثل الزوج الشهير المعروف بـ "بورت" و"ستاربورد" اللذين شوهدا وهما يصطادان القروش البيضاء في المنطقة، والأنشطة البشرية كالصيد العرضي للأسماك في شباك الصيد المخصصة لحيوانات أخرى،والتغيرات المناخية مثل ارتفاع درجات حرارة المحيطات يدفعه للهجرة نحو مياه أكثر برودة بحثاً عن فرائسه.