عاجل

يقول الحق سبحانه وتعالى:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
هذه الآية الكريمة تُغيِّر نظرة المؤمن إلى الحياة كلها، وتملأ قلبه طمأنينةً ويقينًا. 
فكل خيرٍ تظنه قد مضى وانقضى، إنما هو مودَعٌ عند الله، محفوظٌ لا يضيع، ينتظرك يوم تكون أحوج ما تكون إلى حسنةٍ واحدة.

إن المؤمن يعيش مطمئن القلب؛ لأنه يعلم أن كل حركةٍ يقوم بها في طاعة الله لها أجرٌ عند الله. فإذا صلى فله أجر، وإذا زكى فله أجر، وإذا صام فله أجر، وإذا حج فله أجر، وإذا تصدَّق، أو برَّ والديه، أو أحسن إلى الناس، أو جبر خاطرًا، أو قضى حاجة محتاج، فكل ذلك محفوظٌ عند الله لا يضيع منه شيء.

ولكن رحمة الله أوسع من مجرد إثبات الأجر؛ فالثواب عنده سبحانه ليس على قدر العمل فحسب، بل هو مضاعفٌ أضعافًا كثيرة، كما قال تعالى:
﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
إنها ليست معادلةً حسابيةً، وإنما هي معاملةٌ مع الكريم سبحانه؛ فالحسنة لا تُجزى بمثلها فقط، بل يفتح الله لعباده أبواب فضله، فيضاعف الأجر بما يليق بسعة كرمه، لا بما يليق بقدرة العبد المحدودة.

ونحن نظن أننا حين نعطي إنسانًا، أو نواسي ملهوفًا، أو نقضي حاجة محتاج، فإننا نقدم الخير للآخرين، لكن القرآن الكريم يصحح هذا الفهم، فيقول:
﴿وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ﴾.
فلم يقل: وما تقدموا للناس، وإنما قال: ﴿لِأَنْفُسِكُمْ﴾؛ لأن كل خيرٍ يخرج من يدك، يعود في الحقيقة إلى قلبك، وكل معروفٍ تبذله، إنما تدخره لنفسك، وكل إحسانٍ تصنعه، إنما تبنيه في رصيدك عند الله.
فالإنسان حين يعطي، قد يظن أنه يُنقص ما في يده، بينما الحقيقة أنه يزيد ما عند الله له، وما عند الله خيرٌ وأبقى.

وما أجمل كلمة ﴿تُقَدِّمُوا﴾؛ فهي توحي بأن الدنيا ليست دار إقامة، وإنما هي طريق سفر، وأن المؤمن العاقل لا يحمل معه إلى آخرته إلا ما أرسله أمامه من أعمالٍ صالحة. فالخير الذي لا تقدمه اليوم، قد لا تجد فرصةً لتقديمه غدًا، أما الخير الذي سبق منك، فقد وصل إلى حيث لا يضيع، واستقر في خزائن الكريم.

ثم تأتي البشارة التي تملأ القلب سكينةً:
﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾.
بشارة تملأ القلب طمأنينة! 
فقد ينسى الناس معروفك، ويجحدون إحسانك، بل وربما يقابلون الجميل بالإعراض أو الإساءة، لكن الله لا ينسى، ولا يغفل، ولا يضيع عنده عمل عامل.
ستجد الصلاة التي صليتها، والصدقة التي أخفيتها، والكلمة الطيبة التي قلتها، والدمعة التي مسحتها عن عين حزين، واليد التي أمسكتها لتعين ضعيفًا، والباب الذي فتحته لمحتاج، واللقمة التي أطعمتها لجائع، والابتسامة التي أحييت بها قلبًا منكسرًا... ستجد ذلك كله محفوظًا عند الله، كأنك أودعته بيدك في خزائن رحمته، بل ستجده مضاعفًا أضعافًا كثيرة.

وهنا يتجلى سر الإخلاص؛ أن تعمل لأنك تريد أن يكون عملك عند الله، لا عند الناس. فما كان عند الناس يفنى، وما كان عند الله يبقى، بل ينمو ويبارك ويزداد بفضل الله وكرمه.
فإذا ضاق صدرك من جحود الناس، فلا تتوقف عن الإحسان، وإذا لم تجد تقديرًا من الخلق، فلا تحزن؛ فإن الله هو الذي وعدك فقال: ﴿تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ﴾، ولم يقل: تجدوه عند الناس.
لذلك لا تؤخر معروفًا تستطيع فعله، ولا تستقل حسنةً تقدر عليها؛ فإنك لا ترسلها إلى الأرض، وإنما ترسلها إلى السماء، وهناك لا تضيع الودائع، وهناك يجازي الكريم سبحانه على القليل بالكثير، وعلى العمل المحدود بعطاءٍ لا تحده الحدود.

فاللهم اجعل أعمالنا كلها خالصةً لوجهك الكريم، ومودعةً عندك، واجعل خير ما قدمناه لأنفسنا ما نلقاك به، واجعلنا من الذين يجدون عندك رحمةً ورضوانًا، وجناتٍ عرضها السماوات والأرض، إنك ولي ذلك والقادر عليه.

تم نسخ الرابط