تتجسد إحدى أبشع صور الانتهاك للبيانات الشخصية والأمن القانوني للمواطنين في ظهور خطوط محمول مسجلة بأسمائهم دون علمهم أو تفويض منهم. هذه الظاهرة لا تمثل فحسب خرقاً صارخاً لسرية المعلومات، بل تنطوي على قنبلة موقوتة تهدد بزج الأبرياء في أتون مسؤوليات جنائية ومدنية جسيمة لم يرتكبوها، مما يتطلب وقفة حاسمة لتحديد المسؤوليات القانونية والمؤسسية.
تستند العلاقة العقدية بين المشترك والشركة إلى التزام صارم بالتحقق التام من الهوية استناداً إلى بطاقة الرقم القومي سارية. وعليه، فإن إصدار أي خط دون مستندات صحيحة يعكس إخلالاً جسيماً يرتكن إلى المسؤولية التقصيرية والعقدية للشركات، طبقاً للقواعد العامة التي توجب تعويض المتضرر عن الأضرار المادية والمعنوية الجسيمة الناشئة عن الزج باسمه في معاملات غير مشروعة. ولا تقف التبعات عند حدود التعويض، بل تمتد لتطال أركان جرائم جنائية تتعلق بالتزوير واستعمال المحررات العرفية والرسمية المزورة، مما يستوجب ملاحقة المتسببين من الشركات أو وكلائهم بتهم الإهمال الجسيم.
وفي السياق ذاته، يبرز الدور الرقابي الأصيل للجهاز القومي لتنظيم الاتصالات باعتباره الحارس الأمين على مصالح المستهلكين. وينعقد واجبه القانوني في إحكام الرقابة الصارمة على منافذ البيع والوكلاء، وتوقيع عقوبات رادعة ومغلظة على الشركات المخالفة للضوابط الأمنية والتنظيمية. كما يتطلب الأمر تفعيل آليات تكنولوجية يسيرة تتيح للمواطنين الاستعلام الفوري عن الأرقام المسجلة بأرقامهم القومية، مع إتاحة قنوات سريعة لإلغاء أي خط غير مشروع دون تحمل المواطن أية أعباء.
إن مواجهة هذه الثغرات تتجاوز حدود الغرامات المالية التقليدية لتستوجب تشريعات حاسمة تشدد العقوبات الجنائية وتلزم الشركات بتعويضات منصفة. إن حماية الأسماء وحرمة البيانات الشخصية جزء لا يتجزأ من الأمن القومي، ومن ثم فإن تضافر الجهود المؤسسة والقضائية بات حتمياً لإغلاق هذه الثغرات وضمان ألا تحول التكنولوجيا إلى مصدر تهديد وترهيب للمواطن المصرى.