عاجل

يرى البعض من باحثي السياسة أن المستقبل خلال السنوات القادمة سيكون في صالح التكتلات الاقتصادية الإقليمية بعد انتهاء النظام الدولي ثنائي القطبين كأمريكا والاتحاد السوفيتي، ثم أحادي القطب للولايات المتحدة. وبالتالي فإن تجمعات اقتصادية وسياسية مثل البريكس والآسيان لديهما فرصة أكبر للنمو، ولكن توجد رؤى مختلفة بأن تلك التجمعات لا تعدو أن تكون مثل منظمة عدم الانحياز التي عفا عليها الزمن وأنها تجمعات وليدة الظروف لمواجهة الهيمنة الأمريكية، أو بمعنى أصح هيمنة الدولار الأمريكي على الاقتصاد العالمي، ولكنها سيصيبها الضعف بالتدريج في حالة النجاح في هيمنة الدولار.

وقد انضمت مصر لتجمع البريكس الذي يعقد قمته القادمة في الهند بنيودلهي يومي 12 و13 سبتمبر القادم، ولكنها لا زالت لم تقرر بعد الانضمام إلى التجمع الإقليمي الجديد الذي يضم السعودية وتركيا وباكستان في إطار اتفاق مكة، وهو تجمع عسكري سياسي ديني أكثر منه تجمعًا اقتصاديًا؛ حيث يمثل الإسلام السني في مقابل الهلال الشيعي الذي تمثله إيران والحوثيون في اليمن وحزب الله في لبنان.

وقد خلقته ظروف الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران بجانب الخلافات داخل مجلس التعاون الخليجي، خاصة بين الرياض وأبو ظبي بعد أن أصبحت الإمارات تميل أكثر لحماية أمريكية إسرائيلية في ظل أفكار الاتفاقيات الإبراهيمية، وهو أمر يقلق السعودية التي كانت تشكل الحليف الخليجي الأقوى لدى الإدارات الأمريكية المتعاقبة.

كما أن الضغوط الأمريكية المستمرة على الرياض للانضمام إلى الاتفاقيات الإبراهيمية والتعاون مع إسرائيل بدون أي اعتراف من تل أبيب بحقوق الشعب الفلسطيني والإصرار على خطة التهجير للفلسطينيين أصبح مصدر قلق للكثيرين من دول المنطقة وليس فقط مصر والسعودية.

وتفضل القاهرة اتباع نهج عدم الاندفاع قبل تحليل النتائج في المستقبل القريب والبعيد لما يجري في المنطقة والعالم. وتشير بعض التقارير الإعلامية إلى أن باكستان وتركيا والسعودية عرضوا على مصر الانضمام للتحالف، إلا أن القاهرة لا تفضل الانضمام لتحالفات تأتي لنتائج أحداث ستنتهي قريبًا، والأفضل التريث، خاصة وأن مصر ومنذ سنوات عديدة ترفض مبدأ الانضمام لتحالفات إقليمية موجهة لغرض ما.

وأيضًا سبق أن اقترحت مصر عام 2015 فكرة إنشاء قوة عربية مشتركة تنفيذا لاتفاقية الدفاع العربية المشتركة، إلا أن السعودية تحديدًا وقتها أفشلت الفكرة. كما أن فكرة تحالف عسكري إقليمي لا بد وأن يتبعه التزامات دفاعية ذات طابع سياسي وعسكري واستخباراتي ملزم للدول المنضمة.

وبالتأكيد فإن مصر تفضل في ظل ضبابية المشهد حاليًا الاحتفاظ بخصوصية وقوة جيشها، بدون التزامات قد لا تفضل تحملها؛ فمسألة التعاون وتبادل المعلومات أمر، والالتزام بدخول الجيش المصري بأغلب قوته دفاعًا عن أمن دول أخرى أمر ثاني. فعقيدة الجيش المصري هي الدفاع عن الأمن القومي والحدود المصرية، خاصة وأن باكستان لديها مشاكل مع الهند وهي دولة صديقة لمصر، وتركيا دولة عضو في حلف الناتو ولديها التزامات طبقًا لتلك العضوية ولديها مشاكل مع اليونان وقبرص وهما أيضًا دولتان صديقتان لمصر.

كما أن السعودية لديها اختلافات حاليًا مع الإمارات ولدى القاهرة علاقات سياسية واقتصادية قوية معها، وبالتالي فإن حجم التعاون العسكري بين دول التحالف يجب أن يكون واضحًا وأن يعتمد بدرجة أكبر على التعاون الاستخباراتي والدعم التقني.

بجانب كل هذا، فإن الاعتماد الخليجي على الدعم العسكري الأمريكي والقواعد الأمريكية لديها لا يزال مستمرًا، وبالتالي فإن حسابات القاهرة تختلف، وسياسة رد الفعل بدون حتى انتظار نتائج ما يحدث من حرب أمريكية على إيران قد لا يكتب لها النجاح في المستقبل. وتفضل مصر الحفاظ على مساحة من الحركة والتوازن بين مختلف الأطراف، بدل الانضمام إلى محاور عسكرية قد تحد من قدرتها على الوساطة.

فمصر تفضل التريث ودراسة ما يحدث وتأثيراته على المستقبل الإقليمي والدولي مع الاحتفاظ بحرية الحركة بين الأطراف المختلفة، وهو أمر مهم ومطلوب لصالح المنطقة؛ فدولة بحجم مصر تستطيع لعب أدوار مهمة خاصة وأن قطر وسلطنة عمان ليس لديهما نفس القدرات التي تملكها مصر.

ولا يعني ذلك رفضًا مصريًا واضحًا للانضمام إلى اتفاق مكة في المستقبل، خاصة إذا تحدد الهدف والمطلوب من هذا الاتفاق بشكل واضح ومحدد، والتركيز فيه على التعاون الاستخباراتي بشكل أكبر، ولكن حاليًا فإن التريث هو سيد الموقف بالنسبة لمصر.

تم نسخ الرابط